ترجمات

صحيفة “فيدوموستي”: هل سيكون للقاء بوتين وترامب تأثيرٌ على العملية السياسيَّة في سورية

 

الصورة: س. باريا/ رويتر

مقدِّمة

وهكذا، عُقد اللقاء الأوّل، بين رئيسَي الولايات المتحدة الأميركية وروسيا الاتحادية، على هامش قمّة “مجموعة العشرين” في مدينة هامبورغ الألمانية. وبدلًا من اللقاء الذي كان قد حدِّدت مدّته بنصف ساعة فقط، أمضى الرئيسان بوتين وترامب مع بعضهم ساعتين وعشرين دقيقة. تعيش العلاقات الروسية-الأميركية، في الوقت الراهن، وضعًا محزنًا؛ فقد تراكمت فيها كثير من المشكلات المعقَّدة. ويبدو أن موسكو وواشنطن قرَّرتا التركيزَ على المسائل التي يمكن إحراز تقدُّمٍ فيها. وعلى الرغم من كلِّ الاختلافات في المواقف، هناك عددٌ من المشكلات التي يجب على روسيا الاتحادية والولايات المتحدة الأميركية إيجادَ حلِّ لها. وهذا يتعلَّق بالأزمة السورية بالدرجة الأولى.

حتى قبل انتخابه، شدَّد ترامب على ضرورة العمل معًا مع موسكو في الحرب على ما يسمَّى بتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وتنظيم “القاعدة” (المحظورَين في روسيا). وبدورها، كانت روسيا تنتظر اللحظة التي تغيِّر فيها واشنطن مقاربتها من هذه الأزمة. وعلى الرغم من أنَّ واشنطن ليس لديها حتى الآن استراتيجية واضحة المعالم في سورية، فإنَّ لديها تفهّمًا للعديد من الأمور التي تؤثِّر على السياسة الأميركية في هذه المنطقة من العالم.

أولًا، لا يرغب ترامب في إقحام بلاده في حربٍ جديدة في الشرق الأوسط. وثانيًا، لا يريد الرئيس الأميركي تصعيد الوضع في سورية، وبالأخصِّ لا يريد الصدام مع روسيا، لأنَّ ذلك قد يؤدي إلى عواقب لا يمكن التنبؤ بنتائجها. وثالثًا، يخطط ترامب للتعاون مع روسيا في الحرب على الإرهاب. ورابعًا وأخيرًا، يريد ترامب إظهار مقاربةٍ جديدة مختلفةٍ عن السياسة المتردِّدة والرخوة لسلفه الرئيس السابق باراك أوباما، ممَّا يتيح له تحصيل نقاطٍ سياسية جديدة، تحسب لصالحه في الداخل. هذه المبادئ الأربعة تشكِّل أرضيّةً مقبولة لإجراء نقاشاتٍ ذات مغزى مع موسكو حول سورية.

تصالحٌ مهمّ

لم يكن من قبيل الصدفة أنْ يكون توقيت انعقاد الجولة الخامسة من مباحثات أستانا، قبل لقاء بوتين وترامب، وأنْ تأتي الجولة الحالية من مفاوضات جنيف، بعد اختتام قمَّة مجموعة العشرين مباشرةً. في واقع الأمر، سبق لقاءَ رئيسَي الولايات المتحدة الأميركية وروسيا الاتحادية أعمالٌ تحضيريّةٌ ضخمة؛ فبنتيجة المكالمات الهاتفية بين بوتين وترامب، وبعد زيارة وزير الخارجية الأميركية تيلرسون إلى موسكو ولقائه بالوزير لافروف، شُكِّلت مجموعة عملٍ كان من ضمن مهماتها، إلى جانب مهمات أُخرى، تحديدُ المسائل التي ستُناقش في الاجتماع الأول بين الرئيسَين. شاركت الولايات المتحدة الأميركية في المباحثات السورية في أستانا، وفي ربيع هذا العام قامت برفع مستوى تمثيلها، من مستوى السفير الأميركي لدى موسكو إلى مساعد وزير الخارجية؛ وسمح هذا التغيير للولايات المتحدة بالانخراط أكثر في بحث مناطق تخفيف التصعيد في سورية، وكذلك التعبير عن مخاوفها وأيضًا تحديد الأمور التي لا توافق عليها. وفي النتيجة، جاء الجانبان الروسي والأميركي إلى ألمانيا، وفي جعبتهم جملةٌ من التفاهمات.

في ختام لقاء بوتين وترامب، اتفق الطرفان على اعتماد نظام وقف إطلاق النار، في جنوب وجنوب-غرب سورية (يشارك الأردن أيضًا في الاتفاق). وكانت هذه منطقةً إضافيّةً جديدة، انضمت إلى مناطق تخفيض التصعيد الأربع السابقة التي سبق لروسيا وإيران وتركيا الاتفاق حولها في جولات سابقة من مباحثات أستانا. كانت المنطقة الجنوبية واحدةً من المناطق الخلافيَّةً على طريق التوصل إلى إجماعٍ بين روسيا والولايات المتحدة الأميركية. فأولًا، للولايات المتحدة منطقة خفض توتُّرٍ خاصَّة بها في منطقة بلدة التنف (على الحدود السورية العراقية الأردنية)، حيث تقوم بتدريب فصائل المعارضة، وحيث وقعت في غضون الشهرين الماضيين هجماتٌ أميركية على القوات الحكومية السورية. وثانيًا، عبَّرت الأردن و(إسرائيل) غير مرَّةٍ عن مخاوفهما حول تزايد نفوذ القوات الإيرانية جنوب سورية.

من جهةٍ، يؤكِّد هذا الاتفاق دورَ الولايات المتحدة الأميركية المتصاعد في سورية ورغبة واشنطن بتأمين الحماية لحلفائها. ومن جهةٍ ثانية، تؤكِّد رغبة موسكو بالتوصُّل إلى اتفاقٍ، من خلال إقامة منصَّةٍ مشتركة للعمل المقبل في سورية. من المهمَّ الإشارة إلى أنَّ بوتين قد أجرى مكالمةً هاتفيَّةً مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بعد اختتام جولة مباحثات أستانا مباشرةً. تفضِّل موسكو إظهار الاهتمام بالمخاوف الإسرائيلية. ولهذا فمن الطبيعي اعتبار الاتفاق المبرم، وقد أصبح علنيًّا، بين موسكو وواشنطن وعمَّان، نتيجةً منطقيَّةً للمفاوضات التي أجريت لتحديد معطيات مناطق خفض التصعيد في جنوب سورية.

صخبٌ في مسرح العمليّات العسكرية

يدلُّ التوصُّل إلى هذا الاتفاق على أنَّ موسكو لا تحاول إلزام شركائها برؤيتها الخاصَّة دون أن يكون هناك بديلٌ آخر، ومن ناحيةٍ، تحصل روسيا على دعمٍ معيَّنٍ من جانب الولايات المتحدة الأميركية، الأردن و(إسرائيل)، دون تقديم تنازلاتٍ إضافيَّة. إذا ما نُفِّذت هذه الاتفاقية بشكلٍ جيد؛ فإنَّ حظوظ تطور التعاون بين موسكو وواشنطن ستزداد. إلّا أنَّ موسكو من ناحيةٍ أُخرى، تخاطر بتوتير علاقاتها مع حليفها في سورية، إيران التي لن تكون مسرورةً من قيام موسكو بتليين موقفها للتوصُّل إلى صفقة مع الولايات المتحدة الأميركية والأردن. إضافة إلى ذلك، يمكن أن تلعب إيران دور المعطِّل، وتقوم عن سابق إصرار بتصعيد الوضع الميداني في جنوب سورية، بهدف تقويض الجهود الدبلوماسيَّة ولتركيز الاهتمام على حلِّ النزاع بالقوَّة. وعلى موسكو عدم إسقاط هذا الاحتمال من حساباتها على الإطلاق.

يمنح اللقاء الأوّل، بين بوتين وترامب، الأملَ بتطوُّر العلاقات بين روسيا الاتحاديّة والولايات المتحدة الأميركية، ويرسي أساسًا لمناقشاتٍ حول موضوعات أكثر، وتحسين تعاونهما في سورية. يرى كثيرون أنَّ اللقاء لم يكن مثمرًا، وأنَّه لم يُحدث أيّ اختراق مهمّ، إلا أنَّه يجب إدراك أنَّ إحدى أهمِّ مهمّات اللقاء كانت إعطاء الفرصة للزعيمَين بتوضيح مواقفهما، وأنّ حقيقة اتفاق إقامة منطقةٍ جديدة لخفض التصعيد في سورية، التي توصَّل إليها هذا الاجتماع، هي خطوةٌ مهمّة نحو الأمام. والآن، يبقى على الطرفين التنفيذ على الأرض.

 

الكاتب: خبير بشؤون الشرق الأوسط لدى المجلس الروسي للقضايا الدولية.

 

اسم المقالة الأصليةПовлияет ли встреча Путина и Трампа на мирный процесс в Сирии
كاتب المقالةآلكسي خلبنيكوف
مكان وتاريخ النشرصحيفة “فيدوموستي”. 11 تموز 2017
رابط المقالةhttps://www.vedomosti.ru/opinion/articles/2017/07/11/718586-povliyaet-putina-trampa

 

ترجمةسمير رمان

مقالات ذات صلة

إغلاق