تحقيقات وتقارير سياسية

المكارثية

، استُخدم هذا المصطلح للدلالة على الطريقة التي كان يوجه بها النائبُ الجمهوري الأميركي جوزف مكارثي، الاتهاماتِ لأشخاص وجماعات بالانتماء إلى المنظمات الشيوعية، دون تقديم أدلة كافية أو إثباتات واضحة، على تلك المزاعم والادعاءات.

وهكذا انتشر هذا المصطلح فيما بعد، للدلالة على سياسة التخويف والترهيب الموجهة عن عَمد ضد الأشخاص، من انتماءات أو ولاءات ما، بغض النظر عن طبيعتها وصدقيتها.

كان لأسلوب مكارثي في إلقاء التّهم على الناس، إبان الحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتي -حينئذ- وخاصة في خمسينيات القرن الماضي، تبعاتٌ مهمّة في الصراع السياسي داخل أميركا، وفي المؤسسات والدوائر الحكومية، حيث زعم أن عددًا من السياسيين والمثقفين والكتّاب والمدرّسين والموظفين الرسميين على مستوى الدولة، ينتمون أو يتعاطفون مع الحزب الشيوعي، وتم إعداد لوائح “سوداء” ضمت الكثيرين؛ ساهمت بإنهاء عمل عدد من الأشخاص في وظائفهم.

برز مكارثي الذي عاش ما بين 1908 – 1967، كواجهة للمحافظين، في الحزب الجمهوري الأميركي، الذين يتمسكون بالأفكار التقليدية الرافضة للتغيير ومفاهيم العدالة، وحصل على دعمهم؛ بسبب أفكاره التي تعمل على تجييش الرأي العام، من خلال تلك المزاعم.

شكلت اتهامات مكارثي حالةً ترهيبية ضاغطة ضد مختلف الخصوم، تحت عنوان مكافحة الشيوعية داخل أميركا وخارجها، وطالت أيضًا عددًا من الأوربيين، بالاستناد إلى مزاعم عشوائية مبنية أصلًا على شكوك.

دفعت تلك المزاعم والشكوك الأجهزةَ الأمنية إلى إعداد تقارير لتحديد الانتماءات والولاءات للموظفين على المستوى الحكومي، ومن الأشخاص الذين اتهمهم مكارثي بالعمالة، الرئيسُ الأميركي دوايت أيزنهاور، وكذلك وزير الدفاع جورج مارشال الذي اشتهر اسمه بـ “مشروع مارشال” بعد الحرب العالمية الثانية، كما اتهمَ الحزبَ الديمقراطي الأميركي بالخيانة، وزعم أن الرئيس الأميركي هاري ترومان متحالفٌ مع الشيوعيين.

وهكذا أصبحت المكارثية -فيما بعد- أحد أساليب الحرب النفسية على المجتمعات، كونها تستند على مبدأ صناعة الرعب، وهي تعمد إلى خلط المفاهيم، وتزوير الحقائق، وتحريف المصطلحات، واقتناص الفرص لبث الإشاعات؛ بغية تشويه حياة ومواقف وسمعة الأشخاص والجماعات.

من المرجح أن انتشار واستغلال هذا الأسلوب كان كارثة على الحياة العامة والخاصة للعديد من الأشخاص، وهذا ما جعل الكونغرس الأميركي يدينها، وقد تراجع فعلها الداخلي في الولايات المتحدة، ولكن بقيت المكارثية تتوسع على مستوى العالم، وساهمت في زيادة معدلات الخوف لدى الكثيرين، وأصبحت طريقةً تعتمدها دولٌ تحكمها الديكتاتوريات، من خلال النيل من معارضيها.

ويمكن ملاحظة أن المكارثية الحديثة أخذت تنتشر انتشارًا واسعًا وكبيرًا في العديد من الدول، وقد استبدلت بتهمة الانتماء إلى الشيوعية أو التعاطف معها، أوصافًا ومزاعم أخرى، تلائم الطرف الذي يستعملها وتخدم أهدافه، ومن أمثلة ذلك موضوعُ التطرف الديني ومحاولة إلصاقه بالإسلام لاحقًا، من خلال مراقبة ممارسة بعض الشعائر، أو طريقة ارتداء الملابس، وما إلى ذلك.

تستُخدم المكارثية لتبرير بعض المواقف غير السليمة من الآخرين، من خلال البحث عن تهمة وإلصاقها بهم، وهي تنطلق من نظرة أمنيّة تستند إلى أوهام، تسعى للتفتيش في ضمائر الأفراد، وتخدم سياسات كارثية؛ والعديد من سلطات الدول في منطقتنا استخدمت، خلال العقود الماضية، مصطلحات كبيرة للقضايا الوطنية، كأداة لتوجيه اتهامات بالخيانة لمعارضيها، لمجرد كلمة أو رأي؛ بهدف إبعاد تأثيرهم عن عامة الناس، وعمدت إلى تحطيم حياة الكثيرين وإرباك مواطنيها، من خلال تلك الادعاءات الباطلة.

وشهدت ثورات الربيع العربي، منذ انطلاقتها، العديدَ من الحالات التي تتطابق مع مصطلح المكارثية، فأعداؤها أو خصومها لم يتوانوا عن كيل الاتهامات للناس أفرادًا وجماعات، بانتماءات خارجية وعمالة، وشككت بأقوالهم وأفعالهم وأوصلتهم إلى المحاكمات.

واستغلها أيضًا بعض الخصوم السياسيين نحو بعضهم، لزرع بذور التشكيك بالآخر المختلف، والعمل على ترهيبه والتهويل بما فعله أو بما سيتلقاه، ولعل سرعة انتشار المعلومة، من خلال تقنيات العصر، دفع المكارثية لتكون أكثر تأثيرًا على المستوى العام، على الرغم من أن تلك التقنيات ساهمت من جانب آخر، بتدعيم وتوضيح الكثير من الحقائق التي يمكنها التغلب على المكارثية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق