هموم ثقافية

الإيمان الأعمى والتفكير الحر

  • “الإيمان يستبعد الآخر بداهة، أما التفكير فيستحضره ضرورة، وعلى هذا الاستحضار، استحضار الآخر والاعتراف بحقه في الاختلاف، يتأسس التسامح”.

جاد الكريم الجباعي

 

لماذا نرى العالم اليوم في نزاع دائم بين الأفراد والجماعات والدول، بين الأحزاب السياسية والفرق الدينية، نزاع بين المجتمعات، ونزاع في المجتمع نفسه، نزاع في السياسة ونزاع في الدين؟ لماذا لا نعترف بالآخر المختلف، وبحقه الإنساني وحريته، بغض النظر عن محمولاته السياسية والدينية والعرقية والقومية؟ هذا لأن إيماننا أعمى وتفكيرنا مكبوت.

الإيمان في اللغة مصدر الفعل الرباعي (آمنَ يُؤمنُ إيمانًا، فهو مؤمنٌ)، وهو من الجذر (أمن)، والأمن أي ضدّ الخوف، يَعني القرار والطمأنينة، ويرتبط معنى الإيمان في اللغة بالإيمان بالمعنى الاصطلاحي؛ “قول باللسان، واعتقاد بالقلب، وعمل بالجوارح يزيد وينقص” وهو مصطلح دينيّ بحت، كما يُعرَف الإيمان في اللغة بالتّصديق أيضًا، وقيل إنّ الإيمان هو الطمأنينة، وقيل هو الإقرار.

أما التفكير في اللغة: فهو الفَكر والفِكر: إعمال الخاطر في الشيء. جاء في المعجم الوسيط: فَكَر في ـ فَكرًا: أعمل العقل فيه ورتب بعض ما يعلم، ليصل به إلى مجهول، وهو استكشاف قدر ما من الخبرة من أجل الوصول إلى هدف، وقد يكون ذلك الهدف الفهم أو اتخاذ القرار، أو التخطيط، أو حل المشكلات أو الحكم على شيء ما. أما مصطلح التفكير أو مفهومه: فهو مجمل العمليات الذهنية التي يؤديها العقل، والتي بموجبها يكون الإنسان قادرًا على التعاطي مع ذاته أولًا، ومع العالم الخارجي أي الواقع ثانيًا. إذن، يمكننا القول إن الإيمان هو من عمل الحس، والتفكير من فعل العقل. ولا يقتصر الإيمان الأعمى على الإيمان الديني، بل يشمل الإيمان بالحقائق الثابتة واليقينيات والمطلقات.

لكن يبقى السؤال هل من قناةٍ تربط بين الإيمان الأعمى والتفكير الحر، أو بين الحس والعاطفة وبين العقل؟

أكدت الدراسات والأبحاث العلمية أن هناك تعارضًا بين الإيمان والتفكير، في بنية الدماغ البشري ونشاطه المعرفي، فقد وجد العلماء أن التفكير النقدي التحليلي يكون مكبوتًا ومعطلًا عند الأشخاص المؤمنين بقضية ما، أو بالخوارق. وقد كشف هذا الموضوع أستاذُ فلسفة العلوم في جامعة (كايس وسترن ريسيرف) الأمريكية، توني جاك، من خلال تقنية التصوير بالرنين المغناطيسي للدماغ البشري، إذ حدد، مع زملائه، شبكتين من العصبونات الدماغية، تتنافسان في ما بينها لرؤية العالم، شبكة (فكرية أو علمية) تحفز التفكير على التحليل النقدي، وأخرى (اجتماعية) تشحن التعاطف مع الآخر. لم تقل الدراسة إن الشبكتين تعملان معًا؛ إذ لا علاقة للعقل بالإيمان، بل إن الإيمان المطلق يعطل شبكة العصبونات الدماغية عن التفكير. من هذا المنطلق نتعرف على نقص الوعي لدى الفرد المؤمن بقضية ما، نقص وعيه لذاته أولًا، ومن ثم وعيه للمحيط الخارجي ثانيًا، ويكمن في الحد من حريته كي يبقى تابعًا لعقيدته وإيمانه المطلق بها، كالإيمان بالوحدة العربية، أو القومية العربية، أو الحزب الواحد، أو الإله، أي إننا نتعامل بالعاطفة التي تحددها إيماناتنا المختلفة، لا بعقولنا التي تهدينا إلى ما هو مشترك بيننا.

الإيمان الأعمى هو نفي لكل احتمال، ولكل تجربة يجريها العقل الإنساني الحر ويبرهن عليها، فالحرية هي الشرط الضروري والملازم للتفكير.

صنّف فرويد الإدراكَ الفردي في ثلاثة مستويات: الشعور واللاشعور وما قبل الشعور، أو ما تحت الشعور، وقد نسب الشعور الواعي إلى “الأنا”، ثم عاد ونسب اللاشعور -أيضًا- إلى الأنا، وقد ميّز بين “الأنا” “والهو”، لكنه لم يفصل بينهما، بل جعل “الهو” أساس “الأنا” وجذره. الـ “هو” هو الآخر المختلف بالضرورة، لكن هذا الآخر هو الـ “أنا” بالضرورة أيضًا، أي إن الإنسان مرآة الإنسان، فلا يرى نفسه إلاّ في الآخر، إقصاء الآخر يعني إقصاء الذات.

لو تعمقنا في فكرة الجباعي، لقلنا: لولا غلبة الإيمان على التفكير، في مجتمعنا، لنظر كل منا إلى الآخر في ضوء ما هو مشترك فقط، بغضّ النظر عن الانتماءات الدينية أو العرقية والإثنية والقومية أو الجنسية أو السياسية، ونخطو جميعًا نحو الحرية والجمال.

ما يحثنا عليه الجباعي هو إعادة إنتاج المعرفة بالذات الإنسانية، من خلال “التفكير والتفكّر والتأمل والتخيّل والإبداع”، حسب تعبيره، وقد تكون هذه العمليات جميعها فردية، لكنها ذات أبعاد إنسانية واجتماعية، بعيدة عن التعصب والعقيدة، وبالتالي تؤول بالإنسان إلى فضاء رحب، فضاء الحرية والحياة الإنسانية.

التضامن والتحديد المتبادل بين العقيدة والعصبية، هو ما شكّل النسيج التاريخي لعصور ما قبل الحداثة، مع أن العصبية والعقيدة من طبيعتين مختلفتين، لا تتحدَّد أي منهما بالأخرى، بل يمكن أن تتضامنا وتتآزرا. “فالعقيدة هي الإيمان المطلق إما “بالله” وهي عقيدة دينية تؤول بالإنسان إلى العبودية وإلغاء ذاته، وإما أن تكون العقيدة حزبية هي إيمان مطلق بمبادئ الحزب، تؤول بالإنسان إلى التبعية وممارسة حياة القطيع، وتحل العقيدة الجماعية محل العقيدة الفردية، تؤمن بأيديولوجيا سياسية ولا تؤمن بالتعددية الحزبية “حزب البعث هو الأمة العربية”. ومثله بقية الأحزاب السياسية في سورية. السلطة بكافة أنواعها أيضًا تعطل التفكير، لأنها شكل من أشكال الهيمنة على الآخرين، ابتداءً من السلطة الأسرية والسلطة العائلية أو القَبلية، إلى السلطة التعليمية، فالسلطة الاجتماعية والدينية وانتهاءً بالسلطة السياسية.

بيّنت الحرب الدائرة على “الساحة السورية”، منذ أكثر من ست سنوات، هشاشةَ التجاور و”التعايش”، في مكونات المجتمع السوري، وما تضمره عبارات “جيراننا” و”إخواننا” و”أبناء الطائفة الكريمة” وغيرها من معاني التجنب وعدم الاعتراف بجدارة الجيران والإخوان وأبناء الطائفة الكريمة، واستحقاقهم حقوقًا مدنية وسياسية متساوية. هذا الإقصاء للآخر أسسته السلطة الاستبدادية بقمع الحريات الثقافية، من فكر وفن وإبداع، وتسييس المناهج التعليمية، ونشر المعاهد الدينية، والتفرد بالرأي الذي هو أس التسلط والاستبداد، حسب تعبير الكواكبي، إذ لا عقل ينهض أو يفكر في ظل الهيمنة والاستبداد، وفي ظل العادات والتقاليد واجترار الماضي.

يتساءل محمّد عابد الجابري، في (نقد العقل العربي)، عن إمكانية قيام نهضة بغير عقل ناهض، وهو في الحقيقة ينبه الفكر العربي إلى الاشتغال، أي على التفكير والنقد والتحليل للوصول إلى مجتمعات تتسم بالحداثة، وإنتاج المعرفة بآليات فكرية حديثة، عوضًا عن تلك الآليات التي ورثها العالم العربي عن الماضي، الآليات التي تحكّمت -وما تزال تتحكم- في ثقافته، وتسيطر على هذه الثقافة بالجهل واجترار البطولات والفتوحات.

يقول الجباعي: “علينا أن نتعلم فن الانتقال من الضجيج إلى الكلام، والكلام إنتاج للمعنى، وإنتاج للقيمة أيضًا، وأن نتعلم فن الانتقال من الإيمان إلى التفكير. أي أن نتعلم فن الانتقال من التبعية إلى الحرية. الإيمان يستبعد الآخر بداهة، أما التفكير فيستحضره ضرورة، وعلى هذا الاستحضار، استحضار الآخر والاعتراف بحقه في الاختلاف، يتأسس التسامح”.

الإيمان يقوم على حقائق ثابتة ومطلقة لا تتغير، أما التفكير فيؤدي إلى إنتاج حقائق جديدة بطريق الحوار والنقاش. فالحقائق التي ينتجها الناس معًا، هي التي تقرّب بينهم.

المعرفة إنتاج وليست تذكرًا أو محاكاة.

مقالات ذات صلة

إغلاق