ترجمات

مركز كارنغي في موسكو: تواصل سلميّ: أين تكمن قيمة لقاء الرئيسين في هامبورغ

 

 

المحتويات

خلاصة موجزة……………………………..1

استبعاد الحرب………………………………2

إدارة الأزمة…………………………………3

خلاصة……………………………………..4

مقدّمة:

تجنّب الحرب بين البلدين هي المهمَّة الأولى لروسيا وللولايات المتحدة الأميركية، في واقع الأمر. أمَّا مشكلات سورية، أوكرانيا أو كوريا الشمالية؛ فتأتي بمرتبةٍ أدنى بكثير، بعد الموضوع الرئيس.

الأمر الأهمّ الذي يجب أنْ يؤخذ بالحسبان، عند تقويم نتائج لقاء الرئيسين بوتين وترامب في هامبورغ، هو أنَّ الولايات المتحدة الأميركية تمرُّ بأصعب أزمةٍ سياسيّةٍ داخليّة. ولم تعرف أميركا وضعًا مماثلًا منذ الحرب الأهلية. وعلى الأرجح، لن تنتهي هذه الأزمة قبل انتخابات الكونغرس، خريف عام 2018، أمَّا نقطة الختام فستضعها الانتخابات الرئاسية، في عام 2020. وسيكون على القيادة الروسية، حتى ذلك الحين، التعامل مع أميركا التي لا يمكن توقع تصرفاتها، وربما تكون غير مستقرَّة.

بأخذ هذا الوضع بالحسبان، فإنَّه بالإمكان القول إنَّ الناحية الإيجابية لأوّل لقاءٍ شخصيٍّ، بين زعيمي الكرملين والبيت الأبيض، تتمثَّل باعتراف الإدارة الأميركية بأهميَّة العلاقات الروسية-الأميركية. تطوَّرت المواجهة الروسية-الأميركية، خلال السنوات الثلاث الماضية، من دون محدِّداتٍ ومن دون كابح. وبالنتيجة، كانت الدولتان النوويتان، غير مرَّةٍ، على بعد خطوةٍ، وبكلِّ ما للكلمة من معنى، من مواجهاتٍ بين طائراتهما وسفنهما الحربية.

استبعاد الحرب

لا يجوز العيش في الأوهام؛ فالمواجهة بين روسيا والولايات المتحدة الأميركية ستستمرُّ بعد هامبورغ، لأنَّ الصراع بينهما يحمل طابعًا أساسيًّا، ويتعلَّق بأسس النظام العالمي. وبهذا، يكون من الضروريّ للغاية ألا يؤدي هذا النزاع إلى نشوب حربٍ بينهما. تجنًّب الحرب بين العملاقين هو الجوهر، وهي المهمَّة الأولى لروسيا وللولايات المتحدة الأميركية. فالمشكلات، وخاصَّةً سورية، أوكرانيا وكوريا الشمالية وغيرها هي أقلُّ أهميَّة بكثير من هذه المسألة الكبرى على سلَّم الأولويات، ولكنَّ يمكن لكلّ مشكلةٍ إقليمية أنْ تخلق الظروف التي قد تؤدي إلى مواجهةٍ روسيةٍ-أميركية. وقبل كلِّ شيء، من الضروري أن تتعاون موسكو وواشنطن في هذه الساحات كي لا تتقاتلا مع بعضهما البعض.

من وجهة النظر هذه، يعدّ الاتفاق المكاني حول إقامة منطقة تخفيف التصعيد جنوب غرب سورية اتفاقًا ذا مغزى. وإن أصبح ذلك واقعًا، على عكس الاتفاقات المماثلة التي أُبرمت بوساطة موسكو وواشنطن عام 2016، فإنّه سيظهر أخيرًا، في سورية، نموذجٌ للتعاون الروسي-الأميركي في إطار التنافس. وبالتحديد، هذا النموذج هو الضروري ليبقى التنافس سلميًّا. وقد سبق للبلدين أن حققا نتيجة كهذي، خلال فترة الحرب الباردة. كما أنَّه من الضروري تأمين مسارٍ سلميٍّ للنزاع الآن، خاصّةً وقد أصبحت التناقضات بين روسيا والولايات المتحدة الأميركية أضيق مما كانت عليه زمن الاتحاد السوفيتي.

استبعاد الحرب التقليدية من إطار العلاقات بين البلدين العملاقين هو المهمَّة الأهمّ. عند هذا، علينا فقط أن نأخذ بالحسبان أنَّ المواجهةً الحادَّة مستمرةٌ فعلًا في عددٍ من المجالات الأُخرى: التقنيات العسكرية (حيث يجري تطوير الأسلحة بشكلٍ مستمر)، المجال الاقتصادي (العقوبات)، مجال المعلوماتية (الحملة الدعائية الشرسة التي تعتمد أحدث التقنيات)، وكذلك هجمات القرصنة على شبكات الإنترنت. وحتى لو خفّضنا تقدير أهمية الفضيحة التي تدور حول موضوع تدخل روسيا المزعوم في الانتخابات الرئاسية الأميركية، فإنَّنا مع ذلك يمكننا أنْ نشاهد بوضوح قيام الولايات المتحدة الأميركية وروسيا وعدد آخر من الدول ضمن هذه الأجواء بتعظيم، وأحيانًا اختبار وسائل متطوِّرة قادرةٍ على إنزال شللٍ تام بدولٍ كاملة عن طريق تعطيل عناصر حيوية بالغة الأهميَّة في نُظِم بناها التحتية.

إدارة الأزمة

تتمتَّع الأسلحة السيبرانية (الإلكترونية) بخاصيَّة الصعوبة البالغة للغاية في تحديد مصدرها. تفتح هذه الخاصيَّة الباب أمام إمكانيات الاستفزاز الواسعة، ومن ضمنها من جانب مختلف القوى التي تفتقر إلى الإحساس بالمسؤولية أو من قبل التنظيمات الإرهابية. تجد الدول العظمى نفسها، وانطلاقًا من حرصها على النجاة بجلدها ومن أجل سلامتها الخاصَّة، ملزمةً بالبدء فورًا بالتشاور، ومن ثمَّ الدخول في مفاوضاتٍ شاملة حول الأمن الإلكتروني. هذا المجال -اليوم- يعادل معاهدة الرقابة على الأسلحة الاستراتيجية النووية في القرن العشرين التي ساعدت في إبقاء الحرب الباردة باردةً بالفعل. ومن هذه الزاوية، يمكن أن يكون قرار بوتين وترامب مناقشة هذه المسائل نقطة البداية في هذه العملية.

من الصعب توقّع حلِّ سريع للنزاع في شرق أوكرانيا/ الدونباس، وأقصى ما يمكن توقعه، في المستقبل المنظور، تأمينُ التزام الأطراف ببنود “اتفاقيات مينسك” حول وقف العمليَّات العسكرية، سحب الأسلحة الثقيلة، تبادل المحتجزين. كما أنَّ وقف القصف العشوائي الذي غالبًا ما يكون ضحاياه من المدنيين الأبرياء، ليس أمرًا ممكنًا وحسب، بل ضروريّ لعملية استبعاد إمكانية تصاعد النزاع؛ وبالتالي طبعًا، استبعاد مخاطر إمكانية حدوث تصعيدٍ جديدٍ حادّ في العلاقات الروسية-الأميركية. لقد بيَّنت تجربة العامين ونصف العام الماضية، أنَّه بدون مشاركة الولايات المتحدة الأميركية الفعّالة في هذه العملية، وبدون تحركات وجهود واشنطن مع كييف، فإنَّ بقاء الوضع مستقرًا على طول خطوط التماس في الدونباس غير ممكن. وكان قرار الإدارة الأميركية بتعيين مبعوثٍ خاصٍّ للرئيس الأميركي لشؤون أوكرانيا خطوةً في الاتجاه الصحيح.

وهكذا، بعد لقاء الرئيسين، رُسِمتْ خطوط الطرق التي ستُدار من خلالها المواجهة الروسية-الأميركية. ولكن يجب ألا يُفهم من هذا الاستنتاج أنَّ التقدُّم على هذه الطريق سيكون بالضرورة إلى أمامٍ دومًا. وحتى لو كان دونالد ترامب الحالي، كما قال فلاديمير بوتين، يختلف كثيرًا عن الصورة التي رُسِمت له على شاشات التلفزيون، فإنَّ الرئيس الأميركي يبقى زعيمًا يصعُب توقُّع تصرفاته، ميَّالًا للقيام بانعطافاتٍ حادَّة. في هذه الحالة، من المفيد إلقاء نظرةٍ متفحِّصة على مسار العلاقات الأميركية-الصينية المتقلِّب، ومن ضمنها اللقاء الشخصي الذي جمع ترامب بالرئيس الصيني سي تسين بين.

كنَّا نتمنى أنْ تتجسّد آمال بوتين ويتمَّ تجاوز الأزمة التي تمرُّ بها العلاقات الروسية-الأميركية. ولكن علينا أن نأخذ بالحسبان أمرين اثنين: ازدواج السلطة الفعلي الذي تشهده الولايات المتحدة الأميركية حاليًّا، التي تقيِّد إمكانيات الرئيس الحقيقية، وكذلك الإجماع الواسع والقويّ المعادي لروسيا في أوساط النُخب الأميركية. على عكس ترامب، هذه النخبة لا تريد التعامل مع بوتين وهي مستعدَّة للانتظار، على أمل أن تؤدي الصعوبات الاقتصادية وضعف كفاءة الإدارة في روسيا إلى تنامي عدم الرضى عن الزعيم الذي لا يستغنى عنه، وبالتالي يتمّ تغيير الزعيم، وبالتالي توجّه الدولة.

خلاصة

بالطبع، مستقبل روسيا يقرّره شعبها نفسه. تقع على عاتق النُخَب الروسية مسؤوليةٌ كبيرة في تطور البلاد في المرحلة الحالية، وهي مسؤوليةٌ أكبر بكثير ممَّا كانت عليه في أيِّ وقتٍ مضى، منذ تسعينات القرن الماضي. أمَّا في ما يتعلّق بالعلاقات مع الولايات المتحدة الأميركية، فليس علينا أن نبتهج بالاعتراف بدورنا، ونرسم خططنا على أساس شراكة الدولة العظمى مع واشنطن، بقدر إدراكنا أنَّ علينا العمل على الحيلولة دون الصدام مع الولايات المتحدة الأميركية، بسبب عدم الحذر أو بسبب حساباتٍ خاطئة.

إدارة العلاقات الروسية-الأميركية، على المدى المنظور، هو فنُّ إدارة الأزمة.

 

اسم المقالة الأصليةМирный контакт: в чем ценность встречи двух президентов в Гамбурге
كاتب المقالةدمتري ترينين/ مدير مركز كارنغي في موسكو
مكان وتاريخ النشرمركز كارنغي في موسكو.09 تموز 2017
رابط المقالةhttp://carnegie.ru/2017/07/09/ru-pub-71479
ترجمةسمير رمان

مقالات ذات صلة

إغلاق