أدب وفنون

تلفزيون الواقع

أحدث الدراسات الإعلامية في العالم تقوم بدراسة أثر برامج تلفزيون الواقع ونجاحها منقطع النظير، في المجتمعات الأميركية والغربية عمومًا، على الحياة ومفاهيمها العامة. وتعمل فكرة برامج الواقع -في عمقها- على خلق “يوتوبيا” يعيش فيها المتسابقون محميين من صعوبات الحياة اليومية. درجت هذه البرامج المنتجة على استخدام المكان المثالي، لترويج مزيد من الاستهلاك، سواء كان استهلاك البضائع أو القيم الحياتية. كما تقوم بترسيخ مبدأ أساسي من مبادئ الرأسمالية العالمية، وهو الخلاص الفردي؛ حيث ينفرد شخص أو فريق واحد بكل الجوائز المخصصة للبرامج، ويحق له استخدام شتى الوسائل الأخلاقية وغير الأخلاقية، لتحقيق هدفه بالربح.

بعد نجاح ترامب في الانتخابات الأميركية، قام باحث إعلامي بدراسة التشابهات بين حملته الانتخابية وطريقة إدارته، كمنتج منفذ لبرنامج تلفزيون الواقع (ذي أبرينتيس)، يربط الباحث هنا بين معرفة ترامب اللصيقة بطبيعة برامج تلفزيون الواقع، وبما يرغب الناس بمشاهدته، وطريقة إدارته للحملة الانتخابية التي لم تخلُ قطّ من عناصر تلفزيون الواقع، كالتصاعد الدرامي والغضب المفاجئ للمتسابقين، ومشاهد الصراخ وإهانة الآخرين.

فيما يجد باحثون آخرون أن المتلقين لا يستطيعون اتخاذ موقف من برامج الواقع، لأنهم على الرغم من اعتقادهم أنها مصنعة، إلا أنهم يتأثرون لوجود لحظات حقيقية فيها، وبخاصة اللحظات التي ينهار فيها المتسابقون أو يبكون؛ ما يجعل هذا النوع من البرامج شريكًا في تشكيل عالم “ما بعد الحقيقة” الذي نعيشه؛ إذ لا تبدو الحقائق واضحة جلية، وتختلط الحدود بين الكذب والصدق والواقع والتصنيع، حتى لا يستطيع المشاهد تمييز أحدهما عن الآخر.

ينتشر كثيرًا -في الأوساط الإعلامية العالمية- اعتقادٌ بوجود ارتباط وثيق بين برامج تلفزيون الواقع واليوتوبيا التي تروجها وقدرة تنظيم “الدولة الإسلامية” على تجنيد شباب من مختلف أنحاء العالم. يستهدف مجندو (داعش) الفئات المقهورة والمظلومة، وغالبًا ما يتواصلون مع أشخاص مستضعفين، يستغلون حاجتهم للحماية بأن يعدوهم بمجتمع مثالي، تتحقق فيه العدالة والحماية لكل ضعيف.

يعتمد مجندو التنظيم على السخط الكبير الذي يعيشه شباب العالم، وعلى يأسهم من إمكانية إصلاح واقعهم، ويقومون بالترويج بينهم ليوتوبيا يعيشون فيها العدل، وبذلك يقنعونهم بالانضمام للتنظيم، وقد أثبتت الدراسات أن معظم المجندين الجدد يتم اصطيادهم على مواقع معادية للرأسمالية العالمية، أو المواقع التي تفضح ممارسات الدول والشركات الكبرى. ويبدو من خلال كتاب نيكولا إنان، الصحفي الفرنسي الذي اعتقل لدى (داعش)، أن تقنيات تلفزيون الواقع لا تتوقف عند التجنيد، وإنما تستمر حتى في بنية التنظيم الداعشي، وقد أسمى إنان كتابه (جهاد أكاديمي) قياسًا على برنامج (ستار أكاديمي)، ويشرح فيه كيف أن كل ما شهده بدا له جزءًا من برنامج تلفزيون واقع غير معقول.

يروي العائدون من تجربة التجنيد تلك خيبتهم الرهيبة بمجرد الوصول إلى أراضي (داعش)، ومحاولات الهرب التي يخططون لها لفترات طويلة وتحتاج إلى تنسيق معقد، ولكننا لا نستطيع معرفة رأي من استمر بعد تجنيده، وإن كان قد وجد فعلًا ضالته في الهرب من المجتمعات الحديثة.

لعل أخطر ما قامت به برامج تلفزيون الواقع هو تشويه الحد بين اللعب والترفيه وبين الأذى، فالمتسابقون يشاركون في البرنامج ويتنافسون في ما بينهم، إلا أن الهدف من البرنامج هو تسلية المشاهد، ويبدو مشاهد اليوم أقسى من الأجيال التي سبقته، فهو لا يرضى عن البرنامج إلا عندما يتعرض المشاركون فيه لشتى أشكال الذل والعنف. يستثنى من هذه القواعد برامج الواقع الفنية التي يشارك فيها متسابقون لعرض مواهبهم الفنية إلا أن جانب التسلية الكبير الذي تتضمنه مقاطع المواهب الفاشلة، والاستمتاع بطرد لجان التحكيم لهم، هو جانب لا يخلو من هذه القسوة المعاصرة.

وهنا، لا يمكن لسوري ألا يؤرقه سؤال مُرّ قد يخطر بباله، ما إن يطلع على هذه البرامج: هل يُعقل أن العالم ينظر إلى الشعب السوري كمشارك في أقسى برنامج واقع، يمكن لخيال البشرية أن يتمخض عنه؟

مقالات ذات صلة

إغلاق