أدب وفنون

الموروث الثقافي الإيطالي وهاجس الزلازل

ما تزال وسائل الإعلام الإيطالية، بكافة أصنافها، واقعةً تحت تأثير الخوف من تأثير الزلازل التي حدثت، قبل أشهر، على موروثها الثقافي، إذ لا يكاد يمر يوم من دون تناول هذا الموضوع ووضعه موضع البحث. وبقدر ما أثارت تلك الزلازل التي ضربت وسط إيطاليا -وكان آخرها في 18 كانون الثاني/ يناير الماضي- مخاوفَ من تهديد حياة القاطنين في المناطق التي تقع على خط الزلازل الطويل الذي يتوسط البلاد، والمناطق القريبة منه، أثارت مخاوفَ من تهديد موروث إيطاليا العمراني والثقافي بالدمار. إضافة إلى الخوف من عواقب ذلك على موقعها المهم على خارطة السياحة الثقافية في العالم، بل على فن لا يتكرر، تشكِّلُه مباني إيطاليا القديمة وتذخر به، وتحمله جُدُرِها التي حفظته قرونًا.

لطالما ردد الإيطاليون مقولة: “الثقافة هي نفطُ إيطاليا”، مُدرجين الآثار والعمائر والنفائس الفنية التي تحويها، بنودًا من بنود هذه الثقافة. وفي هذا الإطار، عملوا على تربية أجيال تحترم الثقافة والتراث والتاريخ، وتنظر إلى المواقع الأثرية ومحتوياتها على أنها كنزٌ، ومسؤولية الجميع الحفاظ عليه ووقايته من مَسِّ الزمن، أو العابثين. ومن هنا يُلاحظ أن ارتباط الإيطاليين بقديمهم، من بناء يسكنونه، أو مدارس وجامعات عريقة يرتادونها، أو متاحف وصروح قديمة يتنقلون بين جنباتها، ارتباطٌ جاء من تعوُّدِ عيونهم على تذوُّقِ جمال هذا البناء، والفن الذي تنضح به حجارته، والذي يحيط بهم خلال حياتهم اليومية، علاوة على الفن الذي يقبع داخل كل الأبنية القديمة من بيوت وكنائس وكاتدرائيات ومسارح، بل حتى ساحات عامة ومتنزهات، إضافة إلى المدافن.

ويمكن ملاحظة تميُّز الإيطاليين بالمحافظة على أبنيتهم القديمة التي يقطنوها، مخصصين مبالغ وجهودًا كبيرة لترميمها، كونُ معظمها يعود تاريخ بنائه إلى قرون عديدة، وما زال صامدًا قابلًا للسكن والترميم. كما أنهم يؤثرون البقاء في هذه الأبنية، على الانتقال والسكن في العمارات الحديثة التي لا يستسيغون تصميمها، ولا حتى الأثاث الحديث الذي تحويه. فهم يفضلون الأثاث القديم ويحتفظون بخشبياته أو حديده الذي توارثوه، وهو من كثرته أنهم لا يضعونه في ركن جانبي بغرض العرض، بل يستعملونه في حياتهم اليومية. ونتيجة لما تحويه البيوت القديمة من “أنتيكات” وخشبيات وأعمال فنية، تحوَّلت إلى متاحف بحد ذاتها. كما أن عليك ألا تندهش من وجود بعض اللقى التاريخية المهمة في هذه البيوت. فأينما حفرت تجد لقىً، تعجز السلطات عن حصرها أو إحضارها إلى المتاحف لكثرتها.

وحين تتجول بين المدن والبلدات الإيطالية، كثيرًا ما تتفاجأ بقلبها التاريخي الذي يسلب لب الناظر، والذي تختلط فيه الأبنية التي تعود إلى حقبٍ وحضاراتٍ عديدة: الحضارة الإتروسكية وما قبلها، والحضارة الرومانية وفترة دخول المسيحية، وحضارة عصر النهضة. بل هنالك بعض القرى الصغيرة التي لا تتوقع وجود أبنية تاريخية فيها، لكنك تفاجأ بتميز متاحفها، وتنبهر من روعة بناء بعض كنائسها أو منازلها. وعند زيارتك للمتاحف أو الكنائس تتعجب من كثرة اللوحات التي تضمها، أو من الجداريات الضخمة التي تزينها؛ فتتساءل: أكانت العظمة تتوقف على بعض أسماء الفنانين والنحاتين التي وصلتنا، أم أن هنالك أسماءَ أخرى تفوقها عظمةً أو تجاريها، أُغْفِلت، أو أُغْفِل جهد أصحابها لأسبابٍ تجهلها، فبقيت أعمالهم، وطوى النسيان أسماءهم، ولم يتبقَّ لنا من الأسماء سوى ما حفظته السّجلات التي ربما كانت قليلةً في القرون السابقة.

فعلى سبيل المثال، تتميز مدينة أسيسي (Assisi) التي تقع في مقاطعة أُومبريا، بكاتدرائية سان فرانشيسكو التاريخية البديعة، ذات الأهمية الدينية في إيطاليا وأوروبا عمومًا، وعلاوة على ضخامة الكاتدرائية، وتعدد أقسامها وتنوعها، يلفت نظرك روعة بنائها وفرادة بعض أقسام هذا البناء وأسلوب البناء الذي اتُّبِع لتشييدها. ومن المميز فيها عدم خلو جدار من جُدُرِها أو زاوية من زواياها من لوحة جدارية أو “بورتريه” أو منحوتة. لكن هذه المدينة تقع قريبة من خط الزلازل، وعند كل زلزال يخرج الإعلام ببلاغ من السلطات يفيد بأن “أسيسي لم تتأثر، أو يتأثر أحد أبنيتها بالزلزال”. ولا تتأكد من سبب إيلائها هذه الأهمية إلا عندما تزورها وترى آلافًا من السياح يؤمونها -يوميًا- طوال فصول السنة. وتزداد كثافة الزائرين خلال الأعياد الدينية، حتى إن السكان في البلدات القريبة منها يتجنبون زيارتها، بسبب ازدحام شوارعها ومعالمها الأثرية بالسياح الأجانب في هذه المناسبات.

لكن، على الرّغم من مخاطر الزلازل، فإن للإيطاليين ثقة بالأبنية القديمة التي يقطنوها. إذ عند حدوث أي زلزالٍ، يعود النقاش حول هذه الأبنية، واحتمال تشكيلها خطرًا على قاطنيها، ليبدأ سردُ الحوادث التي مرت والتي لم تستطع التأثير عليها. فيَجرُد لك مُحدّثك، الحروب التي مرت، والزلازل والعواصف الثلجية غير المعهودة، وثقل ثلجها على الأسطح، والفيضانات، ثم ينتهي بأكثر الأمثلة سطوعًا، وهو صمود مدينة البندقية قرونًا، أمام البحر وتأثيراته الكثيرة التي لا تحصى على بنائها وأساساته. غير أن للكاتب الإيطالي، في صحيفة (كورّييرا ديلا سيرا) الإيطالية، جيوسيبّي سيفيرنييني، رأيٌ آخر. فقد كتب مقالًا في صحيفة (نيويورك تايمز)، بعد الزلزال، ما قبل الأخير، الذي وقع في 30 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، يقول فيه: “الأبنية القديمة بديعةٌ، لكنها خطرةٌ. المدنُ قديمةٌ لكنها كثيرةٌ، ومبانيها أصبحت عرضةً للخطر بسبب قوانين التراث التي تحميها من التحديث. تحميها من أن تصبح أفضل، وتحميها كي تصبح أسوأ”.

ومن هنا أعاد الزلزال الذي ضرب وسط إيطاليا، في 24 آب/ أغسطس الماضي، المخاوفَ والأسئلة المعتادة التي تبرز عند حصول كل هزة. ثم زادت تلك المخاوف وكثرت تلك الأسئلة حين تكرر الزلزال، في 30 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، في المنطقة ذاتها، وكان من القوة بحيث تأثرت به مقاطعات أومبريا وماركي ولاتزيو، كما شعر به كل سكان البلاد، ثم تبعته عدة هزات في الأيام التي تلت. وإن كان زلزال شهر آب/ أغسطس قد دمر مدينة أماتريشي ومعالمها التاريخية التي تحوي كنوزًا فنية، وتضرر بسببه ما يقارب ثلاثمئة موقع أثري، وتسبب بوفاة 290 شخصًا، فإن الزلزال الأخير تسبب بدمار جزء كبيرة من مدينة نورشيا، ودمر كنيسة تاريخية وتضررت كاتدرائية فيها إضافة إلى تضرر أبنية في مناطق قريبة منها.

وعلى الأثر، خرجت أصوات تطالب السلطات بإيلاء التراث المعماري اهتمامًا جديًّا. وكان من أبرز هذه الأصوات، الناقد الفني والكاتب المعروف فيتوريو سغاربي، الذي طالب باعتماد معايير جديدة لحماية الأماكن الأثرية، كتلك التي تُعتمد عند إشادة أبنية جديدة. ونبَّه إلى ضرورة الكشف عن الأبنية القديمة والكنائس والكاتدرائيات لحصر ما يحتاج منها للتَّدعيم، وفق شروط تراعي جمالياتها. كذلك اعتماد معايير جديدةٍ للتعامل مع الأبنية التي تهدَّمت، ولا يزال ركامها موجودًا، بالطرق التي استخدمت لدى التعامل مع بعض المباني، وسببت خسارة أعمال فنية ذات قيمة عالية.

في هذا السياق، لا بد من القول إن عددًا كبيرًا من أبناء الشعب الإيطالي لا يثقون بالتصريحات التي يدلي بها المسؤولون الحكوميون حول حماية تراثهم أو ترميم ما تهدم من قرىً وبلداتٍ. وإذ قال رئيس الوزراء السابق ماثيو رينزي إن الأموال اللازمة لإعادة بناء ما تهدم، يمكن توفيرها، غير أن كثرًا منهم اعتبر هذا التصريح نوعًا من الفورة الكلامية، لذلك تراهم يتحسرون على ما خسروه، لكنهم يعودون للقول إن هنالك الكثير الكثير من الأماكن الأثرية في بلادهم، وهناك عددٌ لا يحصى من الأعمال الفنية التي تراها كيفما ولَّيْت وجهك في هذه البلاد. كما أن الأرض تُسفر، في كلّ يومٍ، عن جديد الاكتشافات الأثرية؛ فيعودون ليزيلوا الخوف الذي اعتراهم على تراث البلاد، وعلى “نفطها” الذي لا ينضب.

مقالات ذات صلة

إغلاق