أدب وفنون

عبقرية فيكتور هيجو الشعرية من نبوءة الرؤيا إلى استشراف المستقبل

كان هيجو من أوائل الكتاب والشعراء، منذ شاتوبريان، الذين حلموا بإعادة إحياء الملحمة. وكان الميل الملحمي عنده تعبيرًا عن مزاج قد ظهر منذ وقت مبكر، من خلال تصوير العنصر الملحمي في مآسيه، حيث يعرّف الملحمة: “إنها التاريخ الذي نصغي إليه على أبواب الأسطورة”. إن الوقائع التاريخية تفسر وتحول بواسطة قوة الخيال الخلاق للشاعر. عندما غاب الإيمان، عندما أظلم المستقبل، عندما أصبحت السماء من جديد بشكل يائس فارغة (الملائكة، الشيطان والله اختفوا معًا). أصبح فيكتور هيجو في أواخر عمره خالق أساطير، ومن “أشد الرومانسيين طموحًا في نزعاته الأسطورية والرمزية، ودعوته إلى دين جديد”. إنه يملك “حسّ ومعنى السرّ والمعجزة والأسطورة وحضور ما فوق الطبيعي. تعدّ القصائد الأسطورية لهيجو مصدر الشعر الحديث بأكمله. لقد فجر هيجو الملحمة من التاريخ والأسطورة والميتافيزيقيا، ودمقرطها دون أن ينزع عنها نبلها؛ ورأى في كل مكان المعجزة وما فوق الطبيعي، وخلقًا عجيبًا معاشًا على قياس خياله. وسيصبح هيجو أيضًا خالق دين. إذا كانت الأشياء تكتسب معنى فهذا لأن “كل شيء مملوء بالأرواح”. إن معتقدات هيجو التي تتمازج فيها الفيثاغورية والحلولية، وحيث يتأكد التفاؤل في الأخلاق والإيمان بالتقدم أصبحت ما يلي: “من الدرجة الأكثر صغرًا للمادة حتى الله، كل شيء يحيا، كل شيء يتغذى، كل شيء ينمو”:

” كل شيء يتكلم. والآن، أيها الإنسان، أتعرف لماذا

كل شيء يتكلم؟ أصغِ جيدًا.

إن الرياح والأمواج والنيران،

والأشجار والقصب والصخور،

كل شيء يحيا– كل شيء مملوء بالأرواح”.

لقد اعتقد هيجو بحسن نية أنه كان نبيًا، رائيًا، تزوره رؤى ما فوق طبيعية، وإذا أعطينا لتأكيداته قيمة رمزية، فإنه يرى في الواقع في هذا الكشف أن الشعر ليس فنًا فحسب، ولكن وسيلة معرفة، طريق من الطرق التي تسمح بالوصول إلى سر العالم. إن كبرياء هيجو هو من نوع كبرياء الأنبياء، الرائين، مؤسسي الأديان. لقد أحب هيجو الإنسان. إن فكره السياسي يجد هنا مصدره. وبتناغمه مع الفكر الوسط والـ “تقدمي” لعصره، بسبب الجنوبيات التي تمسك بها. يؤمن هيجو بوجود كائنات وسيطة بيننا وبين العالم الآخر. ويعرّف هيجو الشاعر نفسه كمصطفى ووسيط بين الناس والألوهية، ويتحدث عن وظيفة الشاعر، ويرى أن الشعر هو دين ومهمة أيضًا، وأن “كل شيء رمزي في نظر الشاعر”…. يعتقد هيجو أن كائنات متميزة: شعراء ومفكرين وفنانين ومخترعين…. اصطفتهم العناية الإلهية لإضاءة الطريق أمام الناس، ليرشدوهم إلى السماء، هؤلاء يعرفون أو يستشعرون الأسرار التي يجهلها الجمهور؛ إنهم “سحرة، عرّافون”، لأنهم ينغمرون في نور ما فوق الطبيعي، وهم أقرب ما يكونون من الحقيقة الخالدة.

ويصنف هيجو نفسه في السلالة الممجدة لهؤلاء العرافين، إذ إنه اعتقد بكشف إنجيل الأزمنة الجديدة لمعاصريه، الذي يبشر بوصول الجمهورية الكونية، كبداية أرضية، إلى تصالح نهائي لكل الكائنات في الله. هذا الطموح الرومانسي الهيجوي يمرّ بإعادة دمج عبر تأكيد دين موحد، وينظر إلى الله كنقطة استناد تضمن إمكانية التقدم وحل الألغاز، ويؤكد أن الرومانسية هي مشروع بروميثوسي ومسيحي لإعادة تأسيس دين حديث، حيث يصبح الشاعر خادم سر هذا الدين الكلي، وساحرًا ونبيًا. لقد انحرفت الكاثوليكية المسيحية نحو تأليهية مسيحية، حيث الإلهام الرؤيوي ينبئ بالتطورات التنبُّئية المستقبلية، وترتسم بشكل خاص صورة الشاعر، ترجمان الألوهية، والذي يقع على عاتقه مهمة مقدسة:

“إنه رجل الطوباويات

الأقدام هنا، والعيون هناك

إنه هو الذي، على كل الرؤوس

في كل زمان، يشبه الأنبياء”.

هذا الشاعر “الحالم المقدس”، المبشر بالمستقبل، يظهر ساحرًا، ورائيًا ومؤوّلًا، وطليعة القوة المولودة:

“الشاعر في أزمنة ملحدة

يأتي ليمهد لأزمنة أفضل”.

سيقود هذا إلى النزعة النضالية، وسيأخذ بكل تأكيد شكل نبوءة. يبشر الشاعر، هذا “الحالم المقدس” بأزمنة أفضل، ويتغنى بعهد ذهبي جديد. تتيح الملحمة إذًا التطورات النبوئية، وتعبر عن أحلام بعث جديد. إن الشاعر الملهم يقتنع أنه يدخل باتصال حميمي مع الوجود؛ من مفكر يتحول إلى راءٍ: إنه يشعر ويرى ويسمع ويعرف. إن رسالته هي كشف ما فوق الطبيعي. إنه الكاهن الوحيد الحقيقي الذي اصطفاه الله. إن المهمة العليا المعهودة للشاعر تقود إلى مفهوم جديد للغة.

يعرف هيجو الشاعر في (أوراق الخريف) كـ “روح كريستال” وضعها الله “في قلب كل شيء كصدى رنان”. في الواقع، يستطيع الشاعر أن يكشف الحقيقة للناس لأنه هو ذاته “الرائي”. لقد سمح الله له أن يكون: “كليم الأشجار والرياح، وموهبة أكثر رعبًا، يسبر أسرار العالم الآخر، المخفي الكبير من الطبيعة”:

“نعم بفضل المفكرين، وبفضل الحكماء

إلى هؤلاء المجانين الذي يقولون: أرى!

الظلمات هي وجوه

والصمت يمتلئ بالأصوات!”.

أعلن هيجو أن الكلمات “متساوية، وحرة، وبالغة”. إن الشعر هو أكثر من جنس أدبي، إنه إعادة اكتشاف الطابع المقدس للغة. لقد استوحى هيجو من السطور الأولى لإنجيل القديس يوحنا، ومنح الكلمة قدرة فوق طبيعية:

“لأن الكلمة، لنعرف ذلك، هي كائن حي…

لأن الكلمة، هي كلام الله، وكلام الله هو الله”.

كما أن كلام الله يبعث الخلق من العدم، فكذلك كلمات الشاعر هي فعالة: إنها تكشف الحقيقة، وتحول العالم. مع هيجو، نرى أن الشعر هو أكثر من فن لغوي؛ إنه الالتزام التام للكائن في تجربة مقلقة، تقوده إلى “حافة اللامتناهي”. في الوقت الذي يكرس فيه هيجو معظم قصائد الرؤيا القيامية (المتعلقة بنهاية العالم وحدوث القيامة)، للملحمة الميتافيزيقية “تأملات”، فإنه يكرس نفسه للملحمة الإنسانية التي يعبر عنها تحت شكلين: في أشعار (أسطورة العصور)، حيث كان يُعدّ ديوانين هلوسيين “الله” و”نهاية الشيطان”، تحت شكل رؤى قيامية لملحمة فلسفية تتصدى لمشكلة الشر، ويسكنها هاجس الموت، وسر الروح والعالم، ومشكلة اللامتناهي والله. هذه القصائد التي يغلب عليها الطابع الهلوسي عند هيجو، ستضع الشعر على طريق الحداثة بسبب اقتناعه، ومن بعده بودلير. إن الشاعر يتجاوز الحميمية؛ لقد وسع هيجو إلهامه الشعري إلى أبعاد اللامتناهي، وامتد ليصبح على مستوى نظرية في نشأة الكون وتفسير شعري ورؤية أصلية للعالم… فلم تعد “الملحمة قومية، ولا بطولية، بل إنسانية”، أي تفسير الإنسانية في نوع من العمل الحولي، وتصويرها في تتابعها وتعاصرها من كل الوجوه التاريخية والقصصية والفلسفية والدينية والعلمية… التي تنضوي في سياق واحد واسع لحركة الصعود البشري نحو النور. يتعلق الأمر في هذه المؤلفات في رسم صعود الإنسانية: هناك خط ناظم بين جميع قصائدها يربط الماضي، منذ الخلق، بالحاضر وبالمستقبل المستشف بالحدس، “وهو الخيط السري الكبير للمتاهة الإنسانية: التقدم”. إن الإيمان بالتقدم يعطيه بعدًا صوفيًا، وبمقدار ما يتقدم القرن، فإن التقدم يصبح مكرسًا كقيمة محركة، تقدم المعرفة والعلم، ولكن أيضًا التقدم الاجتماعي الذي يتجسد في وجوه أسطورية أو مؤسطرة.

إن التقدم بالنسبة إلى هيجو يمر عبر الثورة: “بروميثوس هو الحق المهزوم. وجوبيتر استخدم، كالعادة، اغتصاب السلطة من خلال عقوبة القانون”. أما بروميثوس، حسب الكتاب المقدس للإنسانية، فهو “الحرية العادلة ضد السماء الظالمة بالاستبداد”، وربما أيضًا العلم ضد الله. أما بروميثوس مخترع الآداب والفنون فيمثل، بالنسبة إلى كتّاب القرن التاسع عشر، “بطل التقدم” الذي -في “سماء تامة” لهيجو- يلاحظ “صعود المركب الهوائي الذي يرمز إلى القرن التاسع عشر”. سيتذكر فيها شاعرنا النشيد الثامن من “سقوط ملاك” للامارتين، حيث يصف الشاعر مركبًا سماويًا يسير في الفضاء، يرفعه سكان بابل. كما أنه يختتم ديوانه (خارج الأزمنة)، بقصيدة “بوق يوم الحساب”، حيث يصف السفينة البخارية في الزمن الماضي، ومركب التقدم الشراعي المجنح (Pleine Mer – Plein-Ciel). وهي تعبر عن نظريته في التقدم.

مقالات ذات صلة

إغلاق