سورية الآن

إيران معضلة الروس والاميركيين

تحرص روسيا على الورقة الإيرانية في هذه المرحلة الدقيقة من البازار على سوريا بين سائر الأطراف الخارجيين، وتوظفها، بشكل خاص، في الصراع مع “الإستابلشمانت” الأميركي. لكنها في المقابل، ليس بوسعها تجاوز الخلافات الكامنة مع إيران حول مقاربة المقتلة السورية، ولا تدع أجهزة الإعلام الروسية هذه الأيام أي إشارة، ولو بسيطة، إلى هذه الإختلافات غير المعلنة بين البلدين وتعمل على إبرازها إلى العلن.
وأبرزت وسائل الإعلام الروسية، الأحد، وعلى غير عادتها، كلام رئيس الهيئة الموحدة لرؤساء أركان الجيوش الأميركية جوزيف دانفورد، أشار فيه إلى أن لروسيا وإيران مهمات مختلفة في سوريا. صحيح أنه ما زال بوسعهما، حتى الآن، الإتفاق حول تهدئة الوضع، إلا أنهما سوف تبدآن لاحقاً بالتنافس. وهذا الإتحاد مع النظام السوري “سوف نتوقف عن ملاحظته قريباً”.
وفي حديثها عن منطقة خفض التوتر في الغوطة الشرقية، ركزت الصحف والمواقع الروسية على ما ورد على لسان من تحدثت إليهم من المعارضة السورية من رفض لأي دور إيراني في المشاركة بقوات الفصل في هذه المنطقة. فقد نقلت صحيفة “ازفستيا” عن رئيس الهيئة السياسية في “جيش الإسلام” محمد علوش قوله، إن مهمة المراقبة في هذه المنطقة سوف تتم بمساندة روسيا وأميركا، لكن من دون إيران. وأكد أن المنطقة سوف تضم حي جوبر، في حين نقلت وكالة “نوفوستي” عن أمين عام حركة “الدبلوماسية الشعبية” المعارضة محمود أفندي قوله، إن روسيا وأميركا سوف تشاركان على الأغلب في مهمة المراقبة في منطقة الغوطة الشرقية، إنما من دون إيران أيضاً.
وكانت “إزفستيا” قد نقلت الجمعة الماضي، عن مصدر رفيع في وزارة الخارجية الروسية قوله، إن المهمة الرئيسية لواشنطن خلال المشاورات مع روسيا بشأن إقامة “منطقة خفض التوتر” في جنوب سوريا، كانت المحافظة القصوى على أمن تل أبيب، و”الحؤول دون إقامة رأس جسر من أجل ضربة شيعية مفاجئة على هضبة الجولان”. وأضاف المصدر أن واشنطن مهتمة في وقف شحنات الأسلحة على طريق طهران- بغداد- دمشق- بيروت.
لكن واشنطن، كما يبدو، لم تتمكن من تنفيذ مهمتها الأخيرة. فالحدود السورية العراقية، هي جزئياً تحت إشراف جيشي البلدين، مما يعتبر كافياً لنقل الأسلحة والذخائر. ومن المستبعد أن تكون موسكو قادرة على التأثير في هذه العملية، بحسب الصحيفة.
كما تنقل الصحيفة عن مصدر عسكري دبلوماسي روسي آخر، أن العسكريين الروس والأميركيين قد توصلوا، بمشاركة الأردنيين، إلى الإتفاق على سحب جميع الوحدات غير السورية مسافة 30 كيلومتراً عن الحدود السورية-الأردنية. والوحدات المقصودة، بحسب الصحيفة، هي الميليشيات الإيرانية وحزب الله اللبناني والعسكريين الإيرانيين والمتطوعين من عدد من البلدان المختلفة.
ويقول بوريس دالغوف، كبير الباحثين في مركز الدراسات العربية والإسلامية في معهد الإستشراق الروسي، أن الضربات التي كانت توجهها إسرائيل إلى المناطق الجنوبية في سوريا، كانت تستهدف مواقع حزب الله بالتحديد. ويوضح دالغوف، أن هجمات حزب الله على الجولان (الجزء المحتل من الهضبة) إذا ما استمرت، سوف تعتبر خرقاُ لاتفاقية الهدنة، وسوف تعتبر إسرائيل هذه السيناريو تهديداً لأمنها. وتعتبر إسرائيل، أن الوجود العسكري الإيراني يمكن أن يتعزز في سوريا، وسوف تحاول الولايات المتحدة الأميركية الوقوف في وجه ذلك، حسب دالغوف.
من جانب آخر، نشرت صحيفة “نيزافيسيمايا”، الجمعة، دراسة مطولة لباحثين روسيين من الجامعة العسكرية في وزارة الدفاع وجامعة موسكو لشؤون الطباعة، تحت عنوان “الإرهاب الديني المعاصر كما هو”.
وتقول الدراسة، إن فلسفة حزب الله تقوم على اعتبار الإسلام ليس ديناً وحسب، بل هو منظومة سياسية وإجتماعية-إقتصادية، تقف فوق كل التناقضات الإثنية أو الإجتماعية. وتترتب على ذلك جميع مهمات هذه الجماعة: إلغاء النظام الطائفي، وإعادة تشكيل لبنان في دولة إسلامية تحكمها قوانين الشريعة؛ مقاومة تأثير الإمبريالية ونمط الحياة الغربي؛ النضال ضد إسرائيل وتحرير القدس وفلسطين (من احتلالها). وتعتبر الدراسة، أن بلوغ الهدف الرئيسي، وهو إقامة السلطة الإسلامية في سائر أنحاء لعالم، يتطلب “إقامة نظام إسلامي في لبنان، وهذا يمكن بلوغه عبر تحرير فلسطين من اليهود”. ولذلك، تقوم هذه الجماعة “بعمليات إرهابية” ضد إسرائيل.
من جهتها، نشرت وكالة “نوفوستي” الروسية، السبت، مقالة استعرضت فيها الصراع الدائر حالياً على خلافة خامنئي، واستهدفت، بشكل أساسي، تحذير الإدارة الأميركية من أن سياسة ترامب تؤدي إلى “تحويل إيران إلى حصنٍ”.
وقالت الوكالة، إن حجم السلطات التي يمسك بها خامنئئي هائل لدرجة تجعل استبداله “يحدث بحق تغييرات زلزالية في السياسة الداخلية والخارجية للجمهورية الإسلامية”. وأخطر ما في هذا الوضع، بحسب “نوفوستي”، هو الضغط والتدخل الخارجي العبثي “وهذا بالذات ما تقوم به حالياً إدارة دونالد ترامب”.
وتنقل الوكالة عن البروفسور فلاديمير ساجين، كبير الباحثين في معهد الإستشراق الروسي، قوله إن مجلس الخبراء في الجمهورية الإسلامية هو الآن بصدد إعداد خطط البناء المقبل للسلطة الروحية في إيران. ويؤكد ساجين أنه يتم التداول في ثلاثة خيارات: أولها يقوم على تأسيس هيئة جماعية تشبه المكتب السياسي، وتتكون من ثلاثة أعضاء أو خمسة من كبار رجال الدين. ويقوم الخيار الثاني على الإبقاء على وحدانية القائد الأعلى، إنما مع إمكانية تخفيض صلاحياته إلى حد كبير لصالح الرئيس. أما الخيار الثالث فيقضي بإبقاء الأمور على حالها من دون أي تغيير.
وتنقل الوكالة عن سفير روسيا الأسبق في طهران الكسندر مارياسوف قوله، إن البيئة الإيديولوجية المسيطرة، والمؤسسات القانونية والأمنية والعسكرية التي أقامها رجال الدين، ما زالت حتى الأن تؤمن انتظام دوران عجلة الدولة. وهو يرى أنه من غير المحتمل توقع أي تغيير في نهج إيران السياسي في المستقبل المنظور. إن الخلافات والتناقضات والصراع الحاد بين الليبراليين الغربيين والمحافظين يشتد ويتعمق، لكن مع ذلك، ليس من أحد معني في إيران اليوم بتغييرات ثورية حادة، ولا أحد يريد “ان يهتز القارب”.
ويرى سيمون باغداساروف، مدير مركز دراسة بلدان الشرق الأوسط، أن الولايات المتحدة الأميركية ستكون مرتاحة، لو كان بإمكانها إسقاط النظام الإيراني القائم الآن وفقاً للسيناريو الأفغاني أو العراقي، لكنهم “حتى في البنتاغون يدركون أن الأمر مستحيل”. ولهذا تعتمد الولايات المتحدة الأميركية استراتيجية أخرى، تقوم في تشديد الضغوط الإقتصادية عبر العقوبات، ودعم الإنفصاليين داخل البلاد من عرب وكرد وسواهم.
أما الخيار الآخر، الذي تعتمده الولايات المتحدة الأميركية لأسقاط النظام الإيراني، يقوم بالقضاء على ما يسمى بـ”الهلال الشيعي”، بحسب باغداساروف، ولهذا تخوض أميركا مع حلفائها المعارك على الحدود السورية العراقية، لكي “تحول دون تحكم إيران بأجزاء هذا الهلال”.

(*) كاتب سوري

Author

مقالات ذات صلة

إغلاق