اقتصاد

الزراعة ومعوّقاتها في ريف حلب الشمالي

تقارب مساحة الأراضي الصالحة للزراعة، في منطقة (درع الفرات) بريف حلب الشمالي (الممتدة من إعزاز غربًا إلى جرابلس شرقًا، ومن الحدود التركية شمالًا إلى مدينة الباب ومارع جنوبًا) نحو 100 ألف هكتار، 75 بالمئة منها تُزرع بالحبوب (حُمّص، عدس، قمح، شعير)، فيما 25 بالمئة للخضروات التي تزرع، قرب مصادر المياه في الأراضي الأكثر خصوبة.

شَهِدَ القِطاع الزراعي في سورية -كغيره من القطاعات- تراجعًا كبيرًا؛ بسبب العمليات العسكرية الدائرة منذ عام 2011، ويعود التراجع في ريف حلب الشمالي إلى مجموعة عوامل، أبرزها:

1- تردي الوضع الأمني وصعوبة المواصلات، وعمليات النقل بين المناطق وعزلها؛ بسبب سيطرة قوى مختلفة تحد من سهولة نقل مستلزمات العمليّة الزراعيّة والمنتجات، بين مواقع الإنتاج وأسواق الاستهلاك في مناطق أخرى.

2- فقدان مصادر الطاقة (الديزل – الكهرباء) التي يعتمد عليها المزارعون، لضَخ المياه الجوفيّة للري، واعتمادهم على الديزل المكرر بطريقة بدائيّة؛ ما يسبب أعطالًا متكررة بالمضخات ويزيد تكاليف الصيانة.

3- غياب الجهات المعنيّة بالعمل الزراعي.

4- توجه الغالبيّة من أبناء المنطقة إلى اقتصاد الحرب، وترك العمل الزراعي لصعوبته وقلة مردوده.

5- الارتفاع الكبير بأسعار البذور والأدوية ومستلزمات الإنتاج؛ الأمر الذي جعل استيرادها -مهما ارتفع ثمنه- أقل من تكلفة الإنتاج المحليّة.

6- الأعمال العسكريّة والقصف، وهي كثيرًا ما كانت تستهدف المنشآت الزراعيّة، كمنشآت تربية الدواجن والمباقر ومراكز الإصلاح الزراعي.

7- انتشار الألغام في الأراضي الزراعيّة، وذلك في فترة سيطرة تنظيم (داعش) على هذه المنطقة قبل دحره منها؛ مما أخرج مساحات واسعة من دائرة الاستثمار.

8- والنقطة الأهم التي أضرت بقطاع الزراعة في هذه المنطقة هي خروج مشروع إرواء سهول تادف والباب من الخدمة؛ بسبب القصف والتخريب الممنهج وسرقة المضخات الرئيسية من قبل تنظيم (داعش)، وسيطرة قوات النظام على موقع محطة الضخ الرئيسية للمشروع في قرية “شربع”، شمال مطار كويرس، وفي حال إعادة تشغيله؛ يُسهِم المشروع في تحقيق نهضَة زراعيّة وتنمويّة كبيرة في هذه المنطقة، حيث تستفيد منه 29.300 هكتار ومساحة مروية كاملة، تقدر بنحو 6700 هكتار، كما أن وجود (سد تشرين)، تحت سيطرة قوات (قسد)، حرَم المنطقة من مصدر أساسي للطاقة الكهربائيّة.

أطلقت منظمات وجهات محليّة ودوليّة مبادراتٍ عديدة في هذه المنطقة، تركزت على دعم إنتاج القمح وتوفير البذور للمزارعين، بما يعيد عجلة الحياة لهذا القطاع، وحققت نجاحًا، خلال الأعوام الستة الماضية.

ومؤخرًا، أعلنت وحدة تنسيق الدعم والهلال الأحمر القطري، وصندوق قطر للتنمية عن (مشروع قمح 2017). وبلغت المساحة المزروعة بالقمح، في ريف حلب الشمالي 1,005 هكتار. يستفيد من هذا المشروع 227 مزارعًا بخطة إنتاج تبلغ 3,016 طن متوقع. ويأتي ضِعف هذه الكميّة من المشاريع الخاصة غير المدعومة من هذا المشروع؛ ما يشكل الحد الأدنى اللازم لتوفير مادة طحين الخبز لسكان ريف حلب الشمالي.

كما أقامت مؤسسة (إكثار البذار) التابعة للحكومة المؤقتّة ومجلس محافظة حلب الحرّة، مشروعَ إنتاج بذار البطاطا محليًا وتوفير كافة أصنافها، وانشأت بداية هذا العام 60 بيتًا شبكيًا مزروعة بجميع أصناف البذار من (بانيلا – جيلي- ريفيرا- كروني)، قرب مدينة مارع، ومن المتوقع -بحسب إدارة المشروع- أن يصل الإنتاج إلى 120 طنًا من البذار، وهي كمية كافية لزراعة نحو 65 هكتارًا، يقدر عائد إنتاجها بنحو 1700 طن.

إن إنتاج البذار بهذه الطريقة يكلف بحدود 500 دولار للطن الواحد، في حين قد تصل تكلفة استيراد الطن من نوع البذار ذاته إلى 2000 دولار. بحسب ماجد القاسم مدير المؤسسة العامة لإكثار البذار الفرع الشمالي.

ومن أحد حقول زراعة البطاطا في مدينة مارع، قال  المزارع أبو زكريا لـ (جيرون): تشتهر منطقتنا بزراعة البطاطا؛ بسبب نوعية التربة واليد العاملة الخبيرة أبًا عن جد، وقد بلغ إنتاج الدونم هذا العام بحدود 3,5 طن، فيما كان يصل سابقًا إلى 5 طن للدونم؛ بسبب صعوبة ري المساحات المزروعة وتوفير الأسمدة؛ إذ إن سعر الليتر من مادة الديزل المكرر يبلغ اليوم 200 ليرة سورية، في حين ثمن كغ البطاطا 75 ليرة سورية”.

وأضاف أن هناك عدة صعوبات، منها صيانة المضخات وانخفاض منسوب المياه الجوفيّة؛ بسبب اعتماد المنطقة عليها لتأمين مياه الشرب، وارتفاع أجور النقل”. ولفت إلى أن الحالة الأمنيّة شجعت الكثيرين على العودة واستثمار أراضيهم، ونأمل في العام القادم زراعة مساحات أوسع، بمساعدة الجهات المسؤولة من مجلس المحافظة والمجلس المحلي.

ومع استقرار منطقة (درع الفرات) أمنيًا، لا يوجد ما يمنع من إقامة مشاريع، لتوفر الأراضي واليد العاملة الخبيرة، وبما يوفر فرص العمل ويمتص البطالة المنتشرة، وخاصة بعد موجات النزوح.

بحسب ما ذكرت وسائل إعلام  النظام (شبكة أخبار حلب والريف الشرقي) أن إنتاج المناطق التي سيطر عليها في ريف حلب الشرقي، من مادة القمح بلغ نحو 1400 طن قمح، و600 طن شعير لغاية 5 تموز/ يوليو، وما زالت عملية التسويق مستمرة، وقد حدد النظام أسعار مادة القمح بـ 140,000 ليرة سورية للطن الواحد، فيما حددت الحكومة التركية سعر شراء طن القمح بـ 265 دولار، والشعير بـ 210 دولار، ومع ذلك يُفضِل المزارعون في المنطقة تسويق محاصيلهم عن طريق المجالس المحلية، لشعورهم بالموثوقيّة والأمان أكثر من تسويقها عن طريق النظام، على الرغم من فارق السعر.

وقدّر أحد تجار الحبوب في المنطقة أن الكمية المسوقة، في مراكز تسويق الحبوب، لا تتجاوز 1000 طن من مادة القمح، في عموم منطقة (درع الفرات).

من السلبيات التي يشكو منها قطاع الزراعة، العقليّة الإداريّة الفاشلة في بعض المواقع ومفاصل العمل، ومن الأمثلة على ذلك: قدمت الحكومة التركيّة، من ضمن مساعداتها للمنطقة، أعدادًا كبيرة من الفروج البيّاض، مع مستلزمات تربيته من أعلاف وأدوية، وكانت الكمية كافيّة لإقامة مشروع عام، لإنتاج البيض في كل مدينة، وتشغيل اليد العاملة، وديمومة الفائدة على السكان من عائدات هذا المشروع، لكن المؤسف أن المجالس المحلية بعثرت المشروع، ووزعت الفروج على الأهالي، بحيث خصت كل عائلة بخمس فراريج، وبذلك انعدمت الفائدة والغاية من المشروع، وحسب تعبير المهندس الزراعي محمد خليل: “كان من الأجدى استثمارها في مشاريع مداجن عامة، وتشغيل اليد العاملة وإدارتها كمشاريع عامة تعود بفائدة أكبر على المنطقة”.

بعد كل ما قيل؛ تبقى المياه ومصادر الطاقة هي الأساس الأهم الذي يشكل شرطًا أوليًا لنجاح التنمية الزراعية في هذه المنطقة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق