سورية الآن

بوابات “العار” تشعل الغضب

لا تحتاج “إسرائيل” إلى ذرائع إضافية، لإغلاق الحرم القدسي، أو لوضع بوابات إلكترونية على أبواب المسجد؛ فقد سبق أن فعلت ذلك في الحرم الإبراهيمي، لكنها في الوقت ذاته لا تتوانى عن استغلال أي فرصة أبشع استغلال، لفرض وتنفيذ مخططاتها المرسومة.

استغلت الحكومة الإسرائيلية حادثةَ مقتل شرطيين، في باب الأسباط (خارج المسجد الأقصى)، لتعلن عن نصب بوابات إلكترونية، على مداخل المسجد الأقصى، لتفتيش المصلين، وكأن وجودَ أربعين ألف شرطي في محيط الحرم، يشكّلون حالة استفزاز وتوتر دائمين للفلسطينيين، غيرُ كافٍ من أجل المضي قدمًا في فرض واقع التقسيم الزماني والمكاني على الحرم، التقسيم الذي تعمل منذ سنوات، بشكل منهجي، متدرّج على فرضه كأمر واقع.

تُدرك حكومة الاحتلال اليمينية، المتطرفة، حساسيةَ تغيير معالم الأماكن المقدسة، لذلك تمارس سياسة الخداع والمناورة وإطلاق بالونات الاختبار، ورصد ردات الفعل حولها، لكنها ماضية في تنفيذ مخططاتها الهادفة إلى تهويد القدس، وتوسيع حدودها الإدارية، بما يخدم رؤيتها “للقدس الكبرى، بوصفها عاصمة أبدية للدولة اليهودية”، لكن العالم يصمّ أذانه، ويتناسى بناءَ جدار الفصل العنصري، ومصادرة الأراضي، وتوسيع الاستيطان السرطاني، وشق الطرق الالتفافية، وتغيير المعالم على الأرض، لفرض وقائع جديدة؛ الأمر الذي ينسف آخر ما تبقى من أوهام السلام التي ما زال البعض يراهن عليها. في كلّ خطوة تخطوها حكومة الاحتلال العنصرية، لتغيير الوقائع على الأرض، تقدر ما هو حجم ردات الفعل الرسمية، الفلسطينية والعربية والإسلامية، التي لا يتعدّى سقفها بيانات الشجب والإدانة، بوصفها ظاهرة صوتية، سرعان ما تخبو، دون أن تقدم أو تؤخر شيئًا. من جهة أخرى لا يدخل في حسابات حكومة الاحتلال احترام القوانين والمواثيق الدولية التي لا تؤثر على ممارساتها العنصرية، طالما أن الحليف الأميركي والغربي يقف خلفها، ويجهض أي قرار دولي يدينها، أو يحد من ممارساتها.

بطبيعة الحال، تحسب حكومة الاحتلال حسابًا لحجم الاحتقان الشعبي الفلسطيني، والغضب المتراكم الذي ينذر بالانفجار، ولا سيّما تجاه المس برمزية الأماكن المقدسة؛ لذلك تتعامل مع هذه المسألة بحذر، دون أن يعني ذلك تراجعها عمّا تخطط له. إن رفض سدنة الحرم، وجموع المصلّين دخول المسجد، عبر (بوابات العار)، وإصرارهم على أداء الصلاة خارج المسجد، شكلّ حالة استقطاب جماهيرية واسعة، ترافقت مع وعي عام، وصدور نداءات من النخب السياسية والإعلامية تحذّر من الانجرار إلى العنف، والحفاظ على سلمية الاحتجاج، لقطع الطريق على استغلال حكومة الاحتلال لذريعة “الإرهاب” التي بات العالم كله يجمع على محاربته، دون النظر إلى الأسباب التي تكمن خلف مفاقمته.

ظن البعض أن نتنياهو قد يتراجع عن نصب البوابات الإلكترونية، بالرغم من ضغوط حليفه الأكثر تطرفًا، حزب (البيت اليهودي) عليه، بسبب حسابات تكتيكية معقدة. تأخذ بالحسبان امتصاص حالة الغضب الشعبي الفلسطيني الذي ينذر باندلاع انتفاضة جديدة من جهة، وكي لا يحرج الحليف الأميركي من جهة أخرى، بعد “صفقة ترامب” مع دول الخليج العربي، وما قيل عن تحالف سني، يشمل “إسرائيل”، في إطار سيناريوهات (تجري في الخفاء) لإيجاد تسوية سياسية ما، مع الفلسطينيين، بمباركة عربية. لكنه لم يفعل، ليس فقط استجابةً لضغوط “البيت اليهودي”، وإنما لأنه لا يريد تفويت فرصة مقتل الشرطيين، كي يخطو خطوة إضافية، في طريق تنفيذ فكرة التقسيم الزماني والمكاني للحرم، حيث ترافق هذا الإجراء مع إقرار الكنيست لقانون جديد، يرفض التنازل عن السيادة الإسرائيلية عن الأماكن المقدسة، حتى لو توصلت الحكومة الإسرائيلية إلى اتفاق سلام مع الفلسطينيين، إلّا بموافقة ثلثي أعضاء الكنيست، وبطبيعة الحال هذا لن يحصل.

إذًا كل ما تقوم به حكومة الاحتلال اليمينية المتطرفة هو تغيير المعالم على الأرض، وفرض الأمر الواقع، مستفيدةً من حالة التردي العربي، ومن الانقسام الفلسطيني، بين سلطتَي (فتح) و(حماس)، الانقسام الذي يزيد الأمر سوءًا، ويسهل على سلطة الاحتلال تنفيذ مخططاتها.

سبق أن أوكلت حكومة الاحتلال لبلدية القدس الإشراف على الحرم القدسي، دون أي اعتبار لدائرة الأوقاف الفلسطينية، وعلى الرغم من توقيع “إسرائيل” على اتفاقية (وادي عربة) التي تقر بولاية الأردن على الأوقاف الإسلامية في القدس، ردّ وزير الأمن الداخلي “غلعاد أردان” بكلّ وقاحة على إدانة الأردن لنصب البوابات بالقول: “نحن أصحاب السيادة، ولا شأن للأردن في القدس”. كذلك ما برحت “إسرائيل” تضيق على الفلسطينيين، وتمنع من هو دون الخمسين عامًا من الوصول إلى المسجد الأقصى، لأداء الصلاة، وها هي تريد أن تفرض على من تسمح لهم بوصول الحرم، من كبار السن، أن يدخلوا المسجد عبر بوابات (العار) التي رفضها الفلسطينيون.

ردًا على اشتعال الغضب الشعبي الفلسطيني؛ عززت حكومة الاحتلال العنصرية من الإجراءات الأمنية، ونشرت المزيد من الجنود في القدس، ومحيط الحرم، وعلى المعابر في رام الله، ومدن الضفة لمنع الفلسطينيين من الوصول إلى المسجد الأقصى يوم الجمعة، واستخدمت، لتفريق المحتجين عند المعابر الذين تجمعوا بالآلاف، الرصاصَ المطاطي والغازي والحي الذي أدى إلى مقتل ثلاثة فلسطينيين، وجرح المئات؛ الأمر الذي ينذر باندلاع انتفاضة ثالثة، ما لم تتراجع حكومة الاحتلال عن إجراءاتها، ويبدو أنها لن تفعل.

مطلوب من الفلسطينيين الحفاظ على رباطة جأشهم، والاستمرار بالاحتجاج السلمي، وعدم الانجرار إلى الفخ الإسرائيلي باستخدام العنف المسلّح؛ لأنها تنتظر هذه الحجة، لكسر إرادتهم، تحت شعار “محاربة الإرهاب” الشعار الذي بات بمثابة كلمة سحرية، لا تُناقش!

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق