سورية الآن

العراق الجبهة الأفضل لكبح المد الإيراني

هل حانت ساعة الصفر الأميركية لتحجيم النفوذ الإيراني في العراق؟، وهل ستكون ميليشيات إيران في العراق الهدف التالي للحملة الأميركية لمكافحة الإرهاب بعد الانتهاء من الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية؟، تشغل هذه الأسئلة الشارع العراقي، الذي أيقظ أمله بالخلاص التقارب العراقي–السعودي الذي أزعج إيران وأذرعها في العراق.
ويجمع سياسيون وعسكريون وأكاديميون على أن التقارب العراقي السعودي، الذي جرى برعاية أميركية، يمثل خطوة مهمة في تحجيم نفوذ طهران في المنطقة.
ويقولون في تصريحات لـ”العرب” إن الميليشيات الشيعية الموالية للنظام الإيراني هي الهدف التالي في الأجندة الأميركية لمكافحة الإرهاب، بعد طي مرحلة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا.
وكان أول رد فعل على استقبال الرياض وزير الداخلية العراقي قاسم الأعرجي، أن تم توقيع مذكرة تفاهم للتعاون بين العراق وإيران في المجال الدفاعي والعسكري.
وقالت مصادر عراقية مطّلعة إن توقيع الاتفاقية بين وزير الدفاع الإيراني العميد حسين دهقان ونظيره العراقي اللواء عرفان الحيالي جاء بإلحاح شديد من قبل طهران، مبيّنة أنّ التوقيع في هذا التوقيت بالذات أخذ طابع الاستعجال ردّا على تحركّات عربية، وتحديدا سعودية، صوب العراق في محاولة لسحبه خارج دائرة التأثير الإيراني واستعادته إلى الصفّ العربي في مرحلة ما بعد تنظيم داعش الذي اقتربت الحرب ضدّه من نهايتها بإعلان هزيمته في مدينة الموصل.
يقول عبدالرزاق الدليمي رئيس قسم الدراسات العليا في كلية الإعلام بجامعة البتراء الأردنية، إن واشنطن تسعى إلى إيجاد تغييرات جذرية بشأن سياسات الولايات المتحدة في كيفية التعامل مع قضايا المنطقة، وفي مقدمتها نظام طهران ومواجهة سياساتها التوسعية، منوها إلى أن إيران هي الدولة الأكثر تهديدا لمصالح الولايات المتحدة الأميركية في العالم، كما تؤكد تصريحات المسؤولين الأميركيين.
خطة أميركية :
يتوقع الدليمي أن يتضح تغيير السياسة الأميركية تجاه النظام الإيراني بعد تنفيذ إستراتيجية واشنطن الجديدة، والتي من أبرزها خطوات تأسيس ائتلاف من دول المنطقة لا سيما العراق والسعودية لإيجاد أرضية مشتركة في مواجهة التوسع الإيراني.
وكان وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون كشف في فبراير الماضي عن أن واشنطن تجري مراجعة شاملة لسياستها تجاه إيران، التي يعكس دعمها لنشاطات حزب الله اللبناني والوضع في اليمن والميليشيات الموالية لها في العراق نواياها، التي تمثل تهديدا لمصالح الولايات المتحدة.
ويوضح الدليمي أن إيران تسعى حاليا إلى زيادة نفوذها في سوريا، كما تحاول العبور من الحدود العراقية وربط البلدين (العراق وسوريا)، مشيرا إلى أن مصالح واشنطن لا تقتصر على سوريا، بل يجب النظر إلى الأبعد وتهيئة ظروف يتوفر من خلالها الاستقرار في المنطقة والأمن للولايات المتحدة.
ويرى مصدر أمني عراقي كان يشغل مركزا رفيعا في الأجهزة الأمنية قبل احتلال العراق أن الأميركيين، لغرض تنفيذ ما يخططون له، عازمون على تعيين ضباط كمحافظين، وسيكون المحافظ بمنزلة حاكم عسكري لمواجهة تدخل الأطراف الأخرى وتنفيذ مخطط مواجهة الإرهاب.
ويقول إن “التأثير المباشر على رئيس الوزراء حيدر العبادي سيكون في موضوع علاقته مع إيران وحزب الدعوة، أي أنه إذا وافق على ما يخطط له الأميركيون، (وزيارة وزير الداخلية العراقي قاسم الأعرجي ولقاؤه رئيس الأركان السعودي توضح أنه موافق أو مجبر على الموافقة)، فهذا يعني أن إيران ستناصبه العداء، وكذلك حزب الدعوة وسيستغل نوري المالكي ذلك، وفي هذه الحالة ربما يفكر العبادي بترك حزب الدعوة ليكون رئيس وزراء لكل العراقيين ويضمن تأييد المتظاهرين من الشعب، كما طالبوه أكثر من مرة ليكونوا سندا له. وحتى المرجعية، على الأغلب، ستسانده لتوافقه مع أطروحاتها حول مواجهة الفساد ونكاية بالمالكي”.
ويلاحظ عبدالكاظم العبودي الأمين العام للجبهة الوطنية العراقية المعارضة، أن الاجتماع تزامن مع وصول قادة أركان الجيوش السعودية والأردنية والعراقية، وقد عقد بصفة علنية، وفي العراق، وبإشراف أميركي مباشر.
ومما يلفت النظر بالنسبة إلى المباحثات العراقية السعودية أنها تجاوزت التنسيق العسكري تحت حجة “مكافحة الإرهاب” لتشمل الاتفاق على فتح الحدود العراقية السعودية عن طريق معبر عرعر ومعبر جديد الذي تجري الاستعدادات لفتحه بمعدل سريع وملفت للنظر.
ويقول العبودي إن التحركات الأخيرة للعبادي وعدد من أعضاء حكومته، كزيارة وزير الداخلية عضو قيادة فيلق بدر، لم تكن أبدا بعيدة عن التنسيق الأميركي المباشر، ومحاولات استمالة بعض العملاء المستعدين للانتقال من الولاء الإيراني إلى الولاء الأميركي، وهي تجري ضمن التوجهات الأميركية المستقبلية لحسم الموقف من اتساع النفوذ الإيراني في المنطقة.
وتوقع أن الوقت لن يطول حتى يعلن العبادي انشقاقه كليا عن نوري المالكي وربما ابتعاده عن البقاء في خدمة النفوذ الإيراني، بعد حسمه مصير بعض ميليشيات الحشد الشعبي، وفي المقابل يتوقع لجوء إيران إلى خلق حالة توتر اجتماعي في العراق تربك وضعية حكومة حيدر العبادي التي ستواجه مشكلات تصعيد طائفي يعمل على إدارته الإيرانيون وحلفاؤهم من السنة والشيعة في العراق.
وتشهد العلاقات بين العراق والسعودية انفتاحا غير مسبوق، تمثل بزيارات متبادلة تخللتها تصريحات متفائلة بعلاقات مستقبلية وطيدة.
ويبدو أن خطوات السعودية أكثر جدية باتجاه العراق، وتمثلت بوادر جديتها في إلغاء الديون المترتبة بذمة بغداد للرياض وارتباط هذه الخطوة بمساع سعودية لتغيير سياستها في المنطقة.
ويعود عبدالرزاق الدليمي ليؤكد أن محاولات السعودية قريبة من المحاولات الأميركية بتغيير الأوضاع في العراق والضغط باتجاه تقليل النفوذ الإيراني، خاصة وأن الولايات المتحدة تشعر أن إيران متنفذة جدا في العراق، ورأس الحربة في مشروعها بتغيير الأوضاع في العراق هي السعودية وليس أي بلد آخر، كون السعودية البلد الوحيد المؤهل لمجاراة إيران في العراق، لذلك فإن الرياض تفهمت الرؤية الأميركية.
ويقول إن هذا المشروع الأميركي لو طرح من بلد آخر غير الولايات المتحدة لما تقبلته السعودية، مبديا اعتقاده بأن جدية الرياض مرتبطة بجدية الموقف الأميركي تجاه العراق، وكذلك شعور الرياض أن السياسة السابقة التي اتبعتها مع بغداد لم تحقق الهدف، لذا يجب تغيير هذه الطريقة.
ويشير إلى أن الخطوات السعودية تجاه العراق جاءت ضمن إطار القرار الأميركي القاضي بعودة العراق إلى الحضن العربي لغاية رئيسية تتمثل بتحجيم إيران. إذ لإيران مصالح كبيرة في العراق، وانطلاقا من هذا الفهم طلبت الولايات المتحدة من السعودية ودول عربية أخرى التعاون مع العراق وتقليل لغة العداء له واحتضانه من جديد، ملمحا إلى أن الدول العربية تنوي إدانة إيران في اجتماع القمة العربية المزمع عقده في الأردن كونها تقود الإرهاب في العراق والمنطقة.
يتفق سعد ناجي جواد الأستاذ في كلية العلوم السياسية بجامعة بغداد والمحاضر حاليا في إحدى الجامعات البريطانية، مع الرؤى التي طرحها الدليمي والعبودي ويقول إنه يستطيع تفهم هذا التطور من ناحية سعي الطرفين، وخاصة الأميركي لتحجيم دور إيران في العراق، وبالتأكيد أن لواشنطن قدرة كبيرة على التأثير على الطرفين، فالعراق بيده وتحت نفوذه والسعودية أكثر من راغبة ومستعدة للقبول بهيمنة ودور أميركي كبير في المنطقة.
وينوه سعد ناجي جواد إلى أن إيران تستطيع أن تزعج ولكنها لا تستطيع أن تقف في وجه السياسة الأميركية، إلا إذا وصل الأمر إلى محاولة طرد إيران بالكامل من العراق عندها ستقاوم بشدة وبصفة غير مباشرة عبر عملائها والميليشيات التابعة لها، ولكن حتى هذه المقاومة لن تغير من الأمر شيئا إذا أصرت أميركا على تشذيب نفوذ إيران في العراق.
ويرى أن المشكلة في ضعف العبادي وعدم قدرته على اتخاذ قرارات حاسمة، لأنه هو أيضا يريد تحجيم الدعم الإيراني لخصومه، مبينا أن العبادي استطاع، بهدوئه وابتعاده عن الخطاب الطائفي، تهدئة الشارع، لكن سياسته هذه لم تلجم المالكي والخزعلي والمهندس المستقوين بإيران. ثم جاءت الآن دعوة روسيا إلى المالكي، فهل هذه الدعوة لدعمه أم لنصحه بعدم منافسة العبادي؟
ويخلص جواد إلى أن السعودية إذا أرادت أن تضع الأمور في المسار الصحيح، فعليها أن تركز على دعم الجيش العراقي وتقويته، خصوصا وأنه ظهر بمظهر جيد وعابر للطائفية، مشيرا إلى أن مؤسسة الجيش هي الوحيدة الكفيلة بمحاربة الإرهاب ومحاربة الميليشيات الطائفية التابعة لكل الأطراف، كما أنها المؤسسة الوحيدة القادرة على دعم سياسة عراقية جامعة.
ويرى مازن التميمي، وهو قيادي بعثي يقيم في لندن، أن واشنطن تعرف جيدا أن العبادي لم يتخلص من العباءة الإيرانية وأنه ضمن حسابات لا يستطيع تجاوزها حتى لو تم دعمه أميركيا لأنه شخصية مترددة، مؤكدا أن الولايات المتحدة لو أرادت تحجيم إيران في العراق فعلا فعليها أن تفتش عن نماذج هي خارج سيطرة إيران.
إيران ضد التقارب :
من وجهة نظر عسكرية، يصف معاون رئيس أركان الجيش العراقي الأسبق الفريق الركن صباح نوري العجيلي أهمية اللقاءات السعودية العراقية بأنها تأتي بمباركة وتشجيع أميركيين لدعم حكومة العبادي وكذلك لإعادة العراق إلى محيطه العربي وعزله عن إيران ومشاريعها التي تستهدف هوية العراق والمنطقة واستقرارهما، منوها إلى زيارة رئيس هيئة الأركان الأردني إلى بغداد.
ويقول إن الغاية من الزيارات هي التنسيق بين العراق والسعودية أولا، وبناء الثقة ثانيا لا سيما وأن حكومة بغداد كانت تتهم السعودية بدعمها الإرهاب الذي يضرب العراق بينما الرياض هي من ضحايا الإرهاب، مؤكدا أن تشكيل غرف معلومات للتنسيق بين العراق والسعودية وكذلك الأردن خطوة مهمة لتبادل المعلومات عن الأنشطة الإرهابية وتجفيف منابع وتمويل الإرهاب.
لكن العجيلي يحذر من أن أعوان إيران في بغداد سيقاومون هذا التقارب ويكيلون التهم إلى السعودية لإفشال هذه الخطوات. ويوضح أن لواشنطن دورا في تقريب وجهات النظر بين العراق والسعودية وهي الداعم الأكبر لهذه السياسة كما أنها قادرة على النجاح، لكن الأدوات الإيرانية ستعمل على إفشالها بتخطيط إيراني لا سيما أن إيران ستعرقل أي تقارب عربي مع العراق، الذي تعده جزءا من “إمبراطوريتها”.
ويرى الخبير العسكري والإستراتيجي اللواء هاشم السامرائي أن أهم النقاط التي يجب اعتمادها هي إقامة جسور الثقة وتنشيط النشاط الاقتصادي بين العراق والسعودية، بالإضافة إلى بناء إستراتيجية أمن مشتركة تضع في الحسبان إنهاء التطرف المذهبي للطرفين.
ويتوقع أن إقامة تحالف بين البلدين برعاية أميركية قد تؤدي إلى إنهاء المخطط الإيراني الذي يهدد أمن السعودية ودول الخليج. ويلاحظ أن العبادي يجتهد ألا يفوته القطار الأميركي سواء كان برغبته أم من دونها فهو رجل بريطانيا ومصادره تفرض عليه حقيقة أن هناك وضعا مختلفا في المنطقة وأن إيران لم تعد سياساتها مقبولة وأنه حان الوقت لتقليم مخالبها، ولو بالتحالف مع السعودية.
ويذهب مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية إلى أن العراق لن يفلح بمفرده في بسط الاستقرار في عموم البلاد، فهو بحاجة للتقنية من الخارج وضخ الدعم المالي لعدة سنوات.
وتقع على الدول مسؤولية أخلاقية لتقديم الدعم، شريطة تحقيق قادة العراق توجها موحّدا وإثبات قدرتهم على توظيف الدعم في قنواته الصحيحة، فيما دعا المجلس الأميركي للسياسة الخارجية صناع القرار في واشنطن إلى رسم معالم إستراتيجية واضحة لمواجهة النظام الإيراني.

(*) كاتب عراقي

Author

مقالات ذات صلة

إغلاق