هموم ثقافية

احتواء المثقف والثقافة

حين نشر الشاعر نزار قباني، في مجلة الآداب اللبنانية عام 1954، قصيدته (خبز وحشيش وقمر)، وكان في ذلك الوقت دبلوماسيًا في سفارة سورية بلندن، وقف مصطفى الزرقاء، أستاذ الفقه الإسلامي العلم في جامعة دمشق، وكان نائبًا عن حركة الإخوان المسلمين، في المجلس النيابي السوري، يندد بالقصيدة وكاتبها، ويطالب من تحت قبة مجلس ممثلي الشعب بإجراء حاسم ضد “رجل يمثلنا، ويعرض صورة عنا في قصيدة داعرة”. وبعد نقاش عاصف حول القصيدة وموضوعها، انتهى الأمر بعدد من النواب إلى أن يزوروا، في اليوم التالي للجلسة، وزير الخارجية خالد العظم آنذاك، كي يطلبوا منه إحالة القباني إلى لجنة تأديبية. وكان جواب الوزير بعد أن قرأ ملف الموظف نزار قباني قوله: “أحب أن أصارحكم بأن وزارة الخارجية السورية فيها نزاران: نزار قباني الموظف ونزار قباني الشاعر، أما نزار قباني الموظف فملفه أمامي وهو ملف جيد، ويثبت أنه من خيرة موظفي هذه الوزارة، أما نزار قباني الشاعر، فقد خلقه الله شاعرًا، وأنا كوزير للخارجية، لا سلطة لي عليه، ولا على شعره. فإذا كنتم تقولون إنه هجاكم بقصيدة، فيمكنكم أن تهجوه بقصيدة مضادة، وكفى الله المؤمنين القتال”.

لم تكن في سورية آنذاك وزارة للثقافة، ولم يكن ثمة وجود لأي هيئة حكومية أو شبه حكومية تعنى بشؤون الكتاب أو الأدباء، على غرار ما ستشهده سورية من بعد. وكان أقصى ما يمكن أن يواجهه الشاعر أو الكاتب في سورية، في ممارسة حريته، هو ما يمكن أن يواجهه أي شاعر أو كاتب في الدول الديمقراطية: نقد لاذع وصارم كذلك الذي كتبه علي الطنطاوي في مجلة (الرسالة) المصرية، إثر صدور (قالت لي السمراء)، وهو أول ديوان شعري لنزار قباني، عام 1944، أو المطالبة بـ “تأديبه” من أجل مقال أو قصيدة، دون أن يستدعي -مثل هذا الطلب- أي قبول من السلطة السياسية. فلكل مقام مقال، وليس من شأن السلطة السياسية -كما جسدها موقف ممثلها آنذاك، خالد العظم- إلا أن تحاسب موظفيها على طريقة أدائهم وظائفهم، لا على أقوالهم أو كتاباتهم.

لم يكن ثمة في سورية إذن، ما يمكن أن يُطلق عليه “إشكالية العلاقة بين المثقف والسلطة السياسية”. لكن من الممكن تسجيل ولادة هذه الأخيرة عندما قررت السلطة السياسية -ذات يوم- “احتواء الثقافة”، وقامت من أجل ذلك بتأسيس أول وزارة ثقافة فيها، وفي العالم العربي أساسًا، عام 1958، وكان ذلك أيام الوحدة السورية المصرية، أي في الوقت الذي أنشئت فيه وزارة مماثلة، وفي التاريخ نفسه، بمصر أيضًا. وبفعل التباين في مسار الوزارتين بين البلدين، خلال سنوات الوحدة، على صعيد التنظيم والإنجاز، ثم، من بعد الانفصال، على صعيد المسار السياسي في كل من البلدين، فسيكون هناك مجال في بحث هذه الإشكالية لمقارنة نشوئها وتطورها في كلٍّ من البلدين اللذين كانا سبّاقين في العالم العربي لإنشاء هذه الوزارة. على أن وضعًا تاريخيًا مشابهًا يتيح لنا إمكان عقد مقارنة أخرى مع بلد غربي، كان هو الآخر سبّاقًا في أوروبا لإنشاء وزارة للثقافة، ونعني به فرنسا، التي كان الجنرال ديغول قد قرر إنشاءها في بداية عام 1959، أي بعد سنة من مصر وسورية.

كان الاسم الرسمي للوزارة في البداية “وزارة الثقافة والإرشاد القومي”. ذلك أنها في مصر جاءت بعد وزارة الإرشاد القومي -التي كانت قائمة فيها قبل الوحدة السورية المصرية-، وتم إدراج مهامها ضمن مهام الوزارة الجديدة. ولا يخفى بالطبع المعنى المراد من “الإرشاد القومي”. وهو ما يحمل على اعتبار أن الولادة الفعلية لإشكالية العلاقة بين المثقف والسلطة قد بدأت مع إنشاء هذه الوزارة.

على أن وزارة الثقافة في سورية لم تحظَ -لا عند انطلاقتها خلال سنوات الوحدة، ولا في مسارها خلال السنوات العشر التي تلت انفصالها- بما حظيت به سميّتها في مصر عند ولادتها؛ إذ خلافًا لهذه الأخيرة، توالى عليها خلال سنوات الوحدة خمسة وزراء، كان آخرهم للمفارقة وزير الثقافة المصري ثروت عكاشة الذي كان عبد الناصر قد كلفه بها، منذ إنشائها بمصر في شباط/ فبراير 1958؛ لكنه لم يمارس مهامه فيها إلا خمسة وأربعين يومًا، جال خلالها في عدد من المحافظات السورية لدراسة تكييف خطته التي دشن تطبيقها في مصر، مع الوضع السوري. سوى أن حركة الانفصال لم تترك له مجال متابعة ما بدأه، واضطرته إلى مغادرة دمشق في اليوم التالي لوقوعها! ثم توالى عليها -أيضًا- وحتى الانقلاب الأسدي عام 1970، أربعة عشر وزيرًا، لم تتح لأي منهم كذلك فرصة زمنية كافية لوضع خطة عمل متكاملة كما فعل ثروت عكاشة على رأس وزارته في مصر، خلال السنتيْن الأوليتيْن من وجوده فيها.

والحقيقة أن دور وزارة الثقافة، خلال الفترة التي تلت الانفصال ثم الانقلاب البعثي عام 1963 وحتى عام 1970، كان في سورية محدودًا في التأثير على علاقة المثقف بالسلطة، نظرًا إلى دخول عوامل جديدة أخرى مؤثرة في نسج هذه العلاقة وتكييفها، مع ما يلائم الوضع الانقلابي الذي أدى إلى هيمنة الحزب الواحد على المجتمع السوري. كان أولها منع الصحف التي عادت إلى الظهور بعد انفصال الوحدة، والاقتصار على صحيفتين: إحداهما ناطقة باسم الحزب والأخرى باسم الحكومة. وتلتها الرقابة في وزارة الإعلام التي أنشئت منذ عام 1961 للإشراف على كل وسائل الإعلام ولا سيّما التلفزيون والإذاعة، ثم إنشاء الهيئات “النقابية”، حسب القطاعات الاجتماعية المختلفة: العمال، والفلاحين، والطلبة، والشبيبة، ثم اتحاد الصحافيين واتحاد الكتاب.

كانت عملية تأطير المجتمع تجري بخطى حثيثة، مع خضوعها، في السنوات الأولى من حكم البعث، إلى التقلبات الناتجة عن صراعات مختلف الأجنحة التي انتهت بإزاحة القيادة المدنية التاريخية للحزب، لصالح القيادة العسكرية في الثالث والعشرين من شباط 1966. ولسوف تقوم وزارة الإعلام بالدور الأساس في مجال الهيمنة التدريجية خلال هذه الفترة، بين 1963 و1976، على نشر الكتب والمطبوعات غير الدورية، من خلال إجازتها والسماح بطبعها ثم السماح بتداولها أو منع كل ذلك، وفي مجال إجازة أو منع إدخال المطبوعات الدورية وغير الدورية الواردة إلى سورية، فضلًا عن الترخيص لدور النشر وفقًا للشروط والضوابط التي تضعها السلطات السياسية، والإشراف على عملها، بالتعاون مع اتحاد الناشرين السوريين.

هكذا كان يتم احتواء الثقافة والمثقف في سورية تدريجيًا. لم يعد بوسع المثقف السوري (والسوريين جميعًا) أن يقرأ إلا ما يُراد له أن يقرأ، مما تسمح به السلطة السياسية عبر وزارة الإعلام سواء بالنسبة إلى ما يطبع داخل سورية أو مما يَرِدُ إليها من خارج حدودها، أيًا كان مصدرها، عربيًا أم أجنبيًا. كان كل ذلك قبل أن يعلن رئيس الحركة الانقلابية العسكرية (التي سميت الحركة التصحيحية!)، في مجال الحريات العامة للمثقف وللثقافة جملته الشهيرة: “لا رقابة على حرية الفكر إلا رقابة الضمير”.

جملة لا يمكن بطبيعة الحال أن يختم بها الحديث إلا إن كانت له صلة!

مقالات ذات صلة

إغلاق