مقالات الرأي

عن أدونيس… الجغرافي المهجري والمظلي الركن

استهل الشاعر السوري أحمد سعيد إسبر المعروف بـ “أدونيس” بدايةَ مقاله المنشور في صحيفة (الحياة)، صباح الخميس 27 تموز/ يوليو 2017، بعنوان “مقدّمة لفهرسٍ سياسيٍّ آخر”، باستعراض “نتائج الربيع العربي”، محملًا إياه مسؤولية جرّ المزيد من التخلف والتراجع والبطالة والفقر على العرب، ومتهمًا إياه بأنه حركة “الهدم الذاتي” التي أخرجتهم من التاريخ وصناعة الحضارة الإنسانية.

ما إن تقرأ النتائج الأولى لـ “الربيع الشرير”، التي تعب أدونيس في ترتيبها كاستنتاجات “استراتيجية”، حتى تجد أولها أن “حدوده توسعت ليصبح إسلاميًا”!، وبتجاوز النتيجة الأولى والقفز إلى الثالثة التي تقول: إنه قبل الربيع العربي “كانت الغالبيّةُ أكثرَ ميلًا للكفاح من أجل التقدّم والتحرّر، وهي اليوم، على العكس، أكثر ميلًا للخضوع إلى “عقليّة” التخلّف والتراجع. تركيا المثل الأوّل. تجد -وفقًا لـ “عالم الجغرافية السياسية” أدونيس- أن تركيا، بوصفها دولة، تعد ضمن الوطن العربي!، ولكن لن تفهم إقحام أدونيس لهذا المثال في غير سياقه، إلا إذا عطفت النتيجة الثالثة على الأولى، حيث يصر أدونيس على تجاوز الحدود السياسية والجغرافية للربيع العربي، وإقحام نموذج تركيا كونه إسلاميًا فقط، للدلالة على “حالة التخلف والتراجع التي أحدثها الربيع العربي”!

وبغض النظر عن النظام الحاكم في تركيا، وتقويم “الباحث” أدونيس لتجربته الاقتصادية والسياسية؛ يتضح من كلامه أن التجربة الديمقراطية -إن كُسيت بحلة إسلامية- هي تراجع وتخلف، ووفقًا لطرحه هذا؛ فإن الانقلاب على الشرعية والنظم المنتخبة هو التقدم والتحرر، وعليه، فإن السيسي يمثّل نموذجًا خالصًا وأصيلًا للحريات والدمقرطة. وكذلك الحال بالنسبة إلى بشار الأسد الذي لم يخفِ أدونيس، العام الماضي، إعجابَه بأدائه في “مكافحة الإرهاب”، بخاصة بعد 400 ألف قتيل في سورية.

هكذا يستمر المقال ليبرز في جزئه الأول أدونيس الباحث والمحلل السياسي والاستراتيجي، ومن ثم ينتقل في جزئه الثاني إلى أدونيس “الإنسان”، ليترجم الجزء الأول إلى جرعة من الشعرية الرمزية، والمفارقة أن كلا الجزأين يحمل، من التناقضات والإسقاطات الخاطئة والمغالطات، ما يستفز القارئ لكتابة أي تعليق على صفحة الجريدة الإلكترونية، ولكن حتى هذا لم يكن متاحًا، فصحيفة (الحياة) أغلقت التعليقات على المقال، وربما لجأت إلى ذلك لعلمها بحجم النقد الذي قد يتلقاه.

أستطيع أن أتقبل أنّ أدونيس معادٍ لحركة الربيع العربي، وفق توجهاته التي لا يعلم إلا الله تحت أي بند تدرج (ثورات مضادة/ تحميل فشل الأنظمة إلى الشعوب/ معاداة الإسلام/ النظرة ما بعد الحداثوية للهوية/ البناء على النتائج وليس الأسباب)، كما أستطيع أن أفهم أنه ضمن هذا المقال يسقط “تجربته” المفترضة على واقع عام، عندما يتحدث عن أن “العربي لا يبدع حتى يغترب”، أو (لا يتعرب حتى يتغرب)، وذلك في إشارة إلى ذاته وتجربته التي يراها “غنية ومفصلية”. ولكن ما لا أستطيع قبوله أن ينسب إلى نفسه وتجربته المهجرية حالةَ الإبداع اللامتناهي؛ فإذا أردنا أن نراجع تجربة أدونيس ضمن الخانة الشعرية “الاغترابية”، وإسهاماته في هذا المجال، قياسًا بعمره الذي بلغ منه عتيًا، فأي إنجاز ذاك الذي يفتخر به؟

رحم الله الشاعر السوري عبد الباسط الصوفي ابن حمص، الذي لم يخض “تجربة أدونيس في الاغتراب”، إلا في دير الزور ليُدرّس أبنائها، ومن ثم في (غينيا) ليُعلّم اللغة العربية، وانتحر شابًا في العشرينات، تاركًا من القصائد ما يعدّه النقاد، إلى اليوم، إضافةً إلى المدارس الشعرية والأدبية ومفصلًا في تاريخ القصيدة السورية، ورحم الله أبو القاسم الشابي الذي توفي في عمر الـ 23 عامًا، ولا تزال أجيال تردد بيته المشهور (إذا الشعب يومًا أراد الحياة..)، وكذلك بدر شاكر السياب الذي توفي في عمر 38 عامًا، تاركًا من القصائد والترجمات الشعرية ما أغنى الأدب العربي، ومحمود درويش الذي حمل قضية أمةٍ بشعره، ولم يخجل يومًا من هويته، وأضاف ما أضاف إلى الشعر والأدب والفلسفة العربية، والمتصوف الكبير (النفّري) الذي ترك كتاب (المواقف والمخاطبات)، الذي أساء أدونيس فهمه، وفق عدد كبير من النقاد، وبنى عليه رؤى وتصورات أدبية مغلوطة، النفّري الذي يقال إنه لفرط خجله وخوفه من ادعاء العلم؛ كان ينقل مؤلفاته مشافهة لمريديه، ولم يتنقل إلا بين بغداد ومصر، ومثلهم عشرات بل مئات من عصور أدبية عربية مختلفة.

مقابل هذا العداء للربيع العربي والانتماء والهوية والإسلام، لم ينشغل أدونيس منذ اغترابه بقضايا أمته وشعبه ومنطقته التي تعيش الويلات منذ سبعة أعوام، إلا نقدًا خاويًا من أي مضمون يساهم في تقييم أو تقويم حقيقي لـ “الفهرس السياسي” الوردي الذي يتمناه. فعلى المستوى الإنساني؛ نجد أنّ شباب الربيع العربي الذين انتقدهم أدونيس، بلغوا من المجد غايته، وحسبهم فخرًا أنهم بذلوا أرواحهم ومستقبلهم في سبيل الكرامة، مقابل من هدرها وأراق ماء وجهه لهاثًا وراء جوائز عالمية، بل استخدم في سبيل ذلك ما لم يستخدمه أعتى المستشرقين من انتقاد الإسلام والهوية العربية، ومع ذلك لم يفلح في نيلها.

أما على المستوى الشعري، فلا تحضرني إلا قصيدة مظفر النواب التي حملت اسم “الأساطيل”، حيث يقول النواب فيها: (لا الحكومات.. لا الراجعون إلى الخلف.. لا الأطلسي ولا الآخرون، وإن نضحوا فلسفةً. لا تخف.. نحن أمةٌ -لو جهنم صبت على رؤوسها- واقفة، ما حنى الدهر قامتها أبدًا.. إنما تنحني لتعين المقادير، إن سقطت، أن تقوم تتم مهمتها الهادفة). يقدم النواب في تلك القصيدة نقدًا لاذعًا لأمته، ليحفزها ويستنهض همتها، لكنه لا يُكسّر من طموح شبابها ولا يسفّه أحلامهم وانتماءهم، ولا يستخفّ بدمائهم، كما فعل -ويفعل- أدونيس، من خلال تصيّد الأخطاء والنقد العام كأسهل أنواع النقد، دون الخوض في التفاصيل والسياقات المتعددة والمتداخلة للربيع العربي.

مقالات ذات صلة

إغلاق