كلمة جيرون

بين جنيف وجنيف

المحصلة النهائية، لمؤتمرات جنيف السبعة الماضية، شبهُ صفرية، إذ لم يصدر عنها كلها أيّ وثيقة ذات معنى إلا في أولى جولاتها، حين صدر بيان جنيف 1 الذي يدعو إلى تشكيل حكومة انتقالية بصلاحيات تنفيذية كاملة؛ وباستثناء هذا البيان، كل ما جرى في هذه المؤتمرات عبث ومضيعة للوقت، ومماطلة وتسويف، وتفريق للمعارضة وتسخيف لها، ومحاباة للنظام وإغفال لجرائمه.

ليس ذلك تجنيًا على مؤتمرات جنيف، ولا تجذيفًا في فراغ، ولا إلقاء للكلام على عواهنه، بل هو ناتج عن قياس النتائج التي خرجت عن سبع جولات وتقويمها. نتائج تؤكد أن هذه المؤتمرات هي لعبة بيد الأطراف لتمرير الوقت، فلا أحد من الدول الفاعلة، وتحديدًا روسيا والولايات المتحدة، جادّ بفرض شروط على السوريين، سواء المعارضة أو النظام، أو مستعد لفرض حلول بالقوة، أو بقوة قانون الفصل السابع، الذي لو استُخدم قبل ست سنوات لتوقف القتل في سورية، وأُنجز التغيير السياسي.

يبدو أن الجميع مستمتع بلعبة جنيف، دوليًا وإقليميًا ومحليًا، وتصل هذه التهمة إلى المعارضة السورية أيضًا، التي أرضتها وأقنعتها وأقعدتها المناصب واللجان، رؤساء وفود وأعضاء مفاوضين ومستشارين وخبراء وإعلاميين وعلماء وعباقرة.. كلهم حلموا بأن يصبحوا تحت الضوء وكان لهم ذلك، مستشارين وأعضاء لجان تُصرَف عليهم أو لهم ملايين الدولارات ولا يُنتجون شيئًا. مؤتمرات عبثية، ورعاة عبثيون، ومبعوث أممي عبثي، ومعارضة عبثية.. والنظام السوري يراقب ما يجري وهو راض، لأن إجرامه وانحطاطه مستمران دون مُعترض.

حتى الآن، لم تستطع مؤتمرات جنيف تقريب السلام المنشود في سورية، بل صارت وسيلة ضغط مستمر على المعارضة السورية، من قبل الأطراف الدولية والإقليمية؛ وهذا يخلق حالة من التشاؤم لدى الكثيرين.

ستُعقد النسخة الثامنة من مؤتمر جنيف، بعد انتهاء الإجازات الصيفية، في أيلول/ سبتمبر المقبل، وبالقياس؛ يمكن الجزم بأن النسخ القادمة من جنيف ستفشل، سواء الثامنة أم الثامنة عشرة.

في “العالم الأول”، لا أحد مستعد لقطع إجازته لحضور مؤتمر عن بلد من “العالم الثالث”، وبما أنه “لا أحد يحكّ جلدك مثل ظفرك”؛ فعلى المعارضة السورية ألا تأخذ إجازة صيفية هي الأخرى، وأن تعمل بجدّ بين موعدَي مؤتمرَي جنيف، وتبحث عن حلول مع النخب السورية السياسية والفكرية والعسكرية، وعن بدائل تضمن إسقاط المعارضين الفاشلين منها، وهم كثر، وتضمن بعث روح جديدة من النخب المهمّشة، وهم كثر أيضًا، قبل أن تنتقل إلى البحث عن استراتيجيات تُحوّل العبث الدولي إلى عمل جاد مثمر، وتحوّل المماطلة الدولية إلى فعل فوري، وتقنع المجتمع الدولي بأن تحويل النتائج الخلّبية إلى قرارات مُلزمة للجميع، وعليها أيضَا أن تأخذ بالحسبان “بيان جنيف 1″، وضرورة البدء بتطبيقه، لوضع نهاية (حتمية) للحكم الشمولي الإجرامي. هو ذا الحل الوحيد لوقف حرب لا إنسانية مستمرة، ودون ذلك؛ ستظلّ المعارضة السورية تذهب وتعود إلى جنيف، عشر مرات وربما عشرين، وسيستمر تدمير سورية، بشريًا واقتصاديًا وعسكريًا وإنسانيًا.

مقالات ذات صلة

إغلاق