تحقيقات وتقارير سياسية

أميركا وقطع المقطوع

بقيت المعارضة السورية بمختلف أشكالها تُعوّل على دور أخلاقي للولايات المتحدة الأميركية، فبعد أن عاشت سنوات من الكذب الممجوج والوعود الكاذبة في مرحلة الرئيس أوباما، ظنّت خيرًا بخلفه الرئيس ترامب الذي يجوز أن نصفه اصطلاحًا بالخليفة، كونه قد خلف أربعًا وأربعين رئيسًا، بدءًا من جورج واشنطن وانتهاءً بباراك أوباما، وبقيت المعارضة السورية تنتظر برنامج ترامب (الواضح) حتى أعلن عن قطع المساعدات ومنعها عن الجيش الحر، أو ما كان يُسمّى المعارضة المسلحة المعتدلة، حسب المعايير الأميركية غير الواضحة المعالم وغير المُعلنة.

في حقيقة الأمر، لم يمنع الأميركي شيئًا، ولم يقطع شيئًا، لأنه لم يعط شيئًا في الأصل، بل كان يسمح من حين إلى آخر لبعض دول الإقليم بتمرير بعض الأسلحة الخفيفة كي يضمن استمرار نزف الجرح، إذ لم يكن معنيًا يومًا بمعالجته، فاستمرار الكارثة السورية إلى أبعد مدى هي بذاتها كانت السياسة الأميركية المبنية على رغبة إسرائيلية صِرفة، وكان هدف هذه السياسة ليس أن يقبل المواطن السوري بالتقسيم، بل أن يخرج ليُطالب بالتقسيم كشرّ لا بدّ منه، من أجل الحد من الكارثة ووقف نزيف الدم، وهذه غاية الغايات لدى الكيان الصهيوني.

نحن والأميركيون والروس والعالم كله، على علم بأن نظام الأسد المدعوم عسكريًا وسياسيًا من موسكو، وماليًا وميليشياويًا من إيران ونفط العراق المنهوب، لن يسقط ببنادق الكلاشنكوف وقذائف الهاون، وأن عشرات الدروع الواقية من الرصاص لن تحمي الجيش الحر من البراميل تارةً وصواريخ طائرات الميغ تارةً أخرى.

كانت حكومة أوباما، ومن بعدها حكومة ترامب، تشاهدان عبر بث حي ومباشر إجرام النظام بحق المدنيين العُزل على امتداد الجغرافيا السورية، وكانتا تراقبان دخول قوافل ميليشيات (حزب الله)، وتحصي عدد الأفراد والآليات بدقة متناهية، وكانت (إسرائيل) تعترض فقط على ما يُهدد أمنها، بأي شكل من الأشكال.

أرادت إدارة أوباما أن يكون الشمال السوري قطعة الحلوى التي يجتمع عليها الذباب ليسهل القضاء عليه، وليس سرًا أن نقول إن أميركا تعلم بدقة لا متناهية عددَ (الجهاديين) الذين دخلوا سورية من أوروبا وأربيل وطهران، إذ لا يوجد مسافر على سطح الكوكب يسافر بطائرة، قبل أن تكون كامل بياناته لدى الاستخبارات الأميركية؛ وهذا يعني أن أميركا اليوم لا تملك الأعداد فحسب، وإنما كامل بيانات الأشخاص، وليس غريبًا أن تكون الولايات المتحدة قد برّرت مرارًا عدم تسليح الجيش الحر، خوفًا من أن تقع الأسلحة بيد المتطرفين، وكان ذلك قبل ظهور المتطرفين بشهور طويلة، لكن الولايات المتحدة كانت تعلم بقدومهم، بل إنها هيأت لهم الطريق وأماكن اللقاء.

في ظل هذه السياسة الأميركية التي انتهت بمنع السلاح الخفيف عن بعض فصائل الجيش الحر، ومنعهم من مقاتلة النظام، وإلزامهم بمحاربة (داعش) فقط، لم يكن مُستغربًا أن يُعلن (لواء أحرار القريتين) انشقاقه عن قوات التحالف الدولي، حين أعلن أنه معني بمحاربة النظام و(داعش) على التوازي، وكانت ردة الفعل أعنف لدى فصيل من المغاوير يعمل في البادية، وكان يُدار من طرف الأميركيين بشكل مباشر، بأن انشق عن التحالف الدولي، وعاد إلى “حضن النظام” بكامل عتاده الخفيف، إذ فقد الجميع الثقة بـ “الداعم” الأميركي الذي بدا وكأنه يعمل في سورية بالقطعة وليس بالمجمل، من خلال سياسة واضحة المعالم والهدف.

من جانب آخر، لم تقم الولايات المتحدة بتسليح “حزب الاتحاد الديمقراطي” الكردي، لأنه معتدل أو غير متطرف، وإنما لأنه يُشكّل ورقة سياسية يستطيع الأميركي اللعب بها على الطاولة، مع الخصم الروسي من طرف، ومع “الخصم الصديق” تركيا من طرف آخر، ومع أربيل من طرف ثالث، نظرًا إلى الخلاف التقليدي بين الحزب المُتبنّي للفكر الأوجلاني الذي لا يلقى قبولًا لدى أربيل (البرزانيه)، هذا علاوة على أن هذه الورقة قد تتحول إلى أول ورقة انفصالية تخدم المشروع الصهيوني في تفتيت سورية، كآخر دولة قوية من دول الطوق، بعد أن خرج العراق من المعركة بالقضاء على جيشه، وخرجت مصر والأردن باتفاقيتي سلام أو اتفاقيتي (لا حرب).

الولايات المتحدة الأميركية هي أكثر دولة في العالم استخدمت السياسة الخشنة، وقد قررت الآن أن تلعب السياسة الناعمة في سورية، وهي ليست على عجلة من أمرها، فالمزيد من الوقت يخدم الهدف الأميركي أكثر، ويجعل الروسي يغرق أكثر في سورية، وبالتوازي تضغط أميركا على الإيراني للخروج، وتتحول سورية إلى دويلات، ولن تخسر الولايات المتحدة جنديًا واحدًا، ويكون أكبر أحلام (إسرائيل) قد تحقق دون أي خسائر تُذكر، ولو على سبيل المجازفة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق