قضايا المجتمع

من يوميات القتل في حلب

على مقربةٍ من حافة الذاكرة الساخنة، أقف ممسكًا بلحظاتها، مقاومًا كل الإغراءات التي تتقدم إلى جرحي كي يندمل وتغتال اللحظات المؤلمة المشبعة بالدم الذي حملته معي من حلب، لا شيء يدفعني لكي أنسى رائحةَ البارود وطعم الغبار والردم، بعد كل نوبة قصف هستيري، كنا نتلقاه يوميًا في حلب.

صرخات الأصدقاء للنزول إلى الإسعاف، صراخ الأطفال والعجائز الذين أقحمهم القصف في عتمة الطريق، وأقعدهم عن متابعة سيرهم، لحظات الخوف من تجدد القصف وسيارات الإسعاف، صوت القبضات اللاسلكية وهي تنادي أطقم الإنقاذ والدفاع المدني وتختلط معها صرخات الأهالي. كان كل هذا المشهد المخيف جزءًا من يومياتنا في حلب.

تستمر اللحظات بالمرور أمام عيني، ليست شريطًا للذكرى، بل أحداثًا من لحم ودم، أصوات القصف الجوي التي شكّلت يومياتي.. رفقة زوجتي التي ما زالت تنهار بكاء عندما تسمع أي صوت مشابه، ولو كان صوت محرك دراجة نارية له الهدير نفسه.

البكاء له قصة أخرى، بكاء صامت وبلا دموع، لأننا بكل بساطة استهلكنا كل الدموع على أبواب حلب، عندما قرر العالم اقتلاع أشجار الزيتون من أرضها واستبدالها بالحنظل، أراجع الأحداث يوميًا مطمئنًا على سلامتها من النسيان.

لا شيء ينفعك إلا استسلامك لضربات القدر و”السوخوي”، تُساهرك رفقة طيران الاستطلاع التي تفتتح فيلم السهرة، وتُعدّ وجبات القتل للصباح.

تحديد نوع القصف ومكانه، وبأي سلاح، هو مادة الحديث بعد كل غارة، لكن الأمر المخيف الذي يجعلني أتأكد من أننا سنتعرض لضربات أخرى حاقدة هو حركة الناس بعد القصف، وأقصد بالمخيف أنه يُصنّف خارج دائرة الاعتيادي، فما إن تمضي نصف ساعة على الغارة حتى تبدأ أصوات الناس بالمكان، وهي ترفع الأنقاض، وتُنظّف المكان من الردم، بشكل يجعلك تخاف من قوة هؤلاء وقدرتهم على تحدي الموت بشكل يومي.

لا شيء تغير كثيرًا، حسين عالق تحت الأنقاض بعد إنقاذ أخيه، وأم ياسر فقدت حفيديها اللذين استشهد أبوهما على جبهات المعارك، فيما اضطرّوا لبتر يد “أبو رضوان”، لأنها تضررت بشكل يتعذر على الأطباء إعادة شرايينها وأعصابها إلى طبيعتها، وحدي أنا الذي أُفتّش عن سبب يجعل هؤلاء يحتملون كل هذا الدم والألم، ولكني أفشل في كل محاولة.

على مقربة مني وحولي تتساقط البراميل صباحًا، لأستيقظ على صراخ الأصدقاء، يُداخلني شعور غريب.. فزع من القصف وأهواله، وفي الوقت نفسه غبطة، لأن البرميل لم يخترني هذه المرة، ربّما أجلني إلى غد.

ألتقط ملابسي بسرعة البرق كي أسقط على الدرج في البناء الذي أسكنه سقوطًا، لأني أُدرك أني في كل ثانية أتأخر أُغامر بحياة إنسان يحتاج إلى إسعاف، استقلّ سيارتي وأنطلق إلى مكان انفجار البرميل، ويأتي صوت الأصدقاء مُنبّها: “الحربي في الأجواء”.. “المروحي دخل… احتموا”. أجتاز الأصوات بشيء من الرهبة، وأصل لأنضمّ إلى أصدقائي في عمليات الإسعاف، إذ إن طواقم الإسعاف غالبًا لا تكفي لإسعاف كل المحتاجين للنقل إلى المشفى، وتنتهي فصول البرميل لتبدأ فقرة الارتجاجي الذي لديه قدرة مهولة على التدمير، يصعب وصفها مهما بلغت براعة الوصف، ويكفي أن نعلم أن إحداها يُحوّل بناءًا كاملًا إلى غبار، ونادرًا ما يخرج أحد من تحت أنقاضه إلا بمحض صدفة.

تتعايش مع عتمة الليل في الحصار، وتقنين تشغيل المولدات، ووسط سكونه تتحول الأحلام إلى كوابيس، صوت هادر يباغت هدوء الليل لينزل وسط الشارع جانب بيتي؛ فيتحول الحيّ إلى كتلة غبار وعتمة لا مثيل لها، إنه الارتجاجي سقط بالقرب مني، أنزل لأساهم في الإسعاف ريثما تصل طواقم الإنقاذ، أرى صديقي محشورًا بين أنقاض بيته يُصارع الموت، شعور رهيب ينتابني ويهز كياني، أمسك بسلك متدلٍّ وأحاول ربطه على خصري كي أصعد على بقايا البناء، أجهش بالبكاء، فمنذ ساعتين كنا هنا، وألحّ عليّ للبقاء في منزله، أقفز ويقفز الأصحاب من سطح إلى سطح ليصلوا إليه هو وأسرته، ما زالوا على قيد الحياة، ولحسن الحظ فقد أجّلهم الصاروخ إلى موعد آخر.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق