مقالات الرأي

البديل الوطني الديمقراطي خيار وحيد

في بدايات الثورة كانت الأهداف التي لخصتها قليلة، لكنها معبّرة، وشاملة المضمون: حرية وكرامة وعدالة، ولم يقتصر المبرر الرئيس للثورة على الخلاص من نظام فئوي شمولي استبدادي، بل شمل إقامة البديل الديمقراطي، التعددي، ولا شيء آخر.

في مؤتمر القاهرة للمعارضة السورية، في تموز/ يوليو 2012، الذي رعته الجامعة العربية، والذي مثّل أوسع تمثيل لأغلبية المعارضة وفعاليات الثورة -آنذاك- كان الاتفاق عامًا على “وثيقة العهد” التي وقع عليها جميع الحضور، والتي نصّت صراحة على قيام الدولة المدنية الديمقراطية التي يتساوى فيها جميع السوريين، بغض النظر عن الجنس والقومية والإثنية والدين والمذهب، وفقًا لدستور عصري يقره الشعب في استفتاء عام.

لم تتحدّث الوثيقة عن نظام علماني صرف، كما هو الحال في فرنسا مثلًا، لكن بالمقابل والقطع لم تكن تعني نظامًا إسلاميًا، بأي صورة من صور الإسلام السياسي.

بعض العلمانيين المتشددين، والنظريين حاولوا الذهاب بعيدًا عن إرث وثقافة ومكوّنات شعبنا، وموقع الأديان عمومًا، والدين الإسلامي على وجه الخصوص؛ فطرح بعضهم صيّغًا مثيرة عن حيثيات فصل الدين عن الدولة، وهناك من هاجم الأديان، والإسلام السياسي بقوة.. لكن على الرغم من هذا “الشغب”، فإنه لم يكن مؤثرًا ارتباطًا بضعف تلك الاتجاهات من جهة، ومسار الأمور وما عرفه من انحيازات، ثم انجرافات قوية باتجاه الأسلمة، ومحاولات احتواء الثورة، وتغليفها بمرجعيات أيديولوجية ليست واحدة، بل متعددة التفاسير، والفتاوى والمضامين.. وكان هذا الأمر المترافق مع سيطرة العَسكرة التي عرفت بدورها دحرجات قوية من فكرة الجيش الحر إلى الفصائل المشتتة التي رفع معظمها رايات إسلامية، أوجدت بيئة خصبة للتشدد، وحتى الإرهاب.. فكانت (النصرة)، وكانت (داعش)، وكانت الحروب البينية بين فصائل ترفع رايات إسلامية.. تكفّر الآخر، وتسحقه، وتدخل معارك دامية ذهب ضحيتها المئات، وأثّر بليغًا على سمعة تلك الفصائل، وعلى الحواضن الشعبية، بل على الثورة التي باتت توصف بأنها إسلامية، ومتشددة، وكان لهذا تأثيره الكبير على حواضن الثورة، وعلى مواقف الرأي العام العربي والدولي، وصولًا إلى إعطاء الدول المحسوبة على أنها أصدقاء الشعب السوري مبررات قوية بإطلاق أحكام قاسية على طبيعة الثورة السورية، ومن يمثلها، ثم بإعلان مواقف سلبية من المعارضة، ودورها في العملية السياسية، وفي مستقبل البلاد.

في مشروع الوثيقة التي قام الائتلاف بناء عليها، كان ارتكازها الكبير على وثائق مؤتمر القاهرة، وبخاصة “وثيقة العهد” ونصّها الصريح على إقامة الدولة المدنية الديمقراطية، لكن البعض اعترض بحجة أنها دعوة للعلمانية، وأنها تخالف توجّه ورأي أغلبية الشعب السوري.. المسلم، والسني.. فتمّ تجاوز تلك الفقرة بغمغمة ملتبسة؛ وبالتالي فإن الائتلاف افتقر إلى رؤية سياسية واضحة تحدد تصوراته لمستقبل البديل.

في البيان الصادر عن مؤتمر الرياض للمعارضة، كانون أول/ ديسمبر 2015، جرى الالتفاف الصريح على مفهوم النظام الديمقراطي بمصطلح يبدو غريبًا، وشديد الإبهام حين نصّ على “آليات ديمقراطية” مرضاة لوجود الفصائل العسكرية ذات التوجه الإسلامي بأغلبيتها، وبحثًا عن توافقات عريضة.

طوال سنوات صعود العسكرة الإسلاموية، غابت صيغ الدولة المدنية الديمقراطية، وراجت مفاهيم اختلاطية، بعضها متشدد يتحدث صراحة عن الدولة -الإمارة- الخلافة الإسلامية، وبعضها يحاول إيجاد توليفة بطابع إسلامي، بينما انتشرت على الأرض المحاكم الشرعية، وعدد من الممارسات التي تنسب نفسها إلى مرجعية إسلامية تختلف وجهات النظر حولها بين مجاميع تلك الفصائل، وتقتل فيما بينها حولها، وحول مسائل أخرى، بينما حاول الائتلاف مماشاة الجاري، وإن كان التزامه بالدولة الديمقراطية معلنًا في مواقف وقرارات كثيرة.

بعد هزيمة حلب؛ فإن مرحلة جديدة تتأسس بوعي مختلف يحاول العودة بالثورة إلى منابعها وأصولها، وتنقيتها مما علق بها. أي محاولة تصحيح المسار، إن كان على صعيد التركيز على الجانب السلمي، والشعبي، أو عبر ترسيخ الديمقراطية نهجًا وبديلًا وحيدًا. على الرغم من أن النجاح في ذلك ليس بالأمر الهيّن بعد كل الذي جرى، وبعد التطورات الإقليمية والدولية التي لا تصبّ في صالح الثورة، وتصحيح المسار، ناهيك عن وجود قوى فعلية على الأرض ما زالت تتمسّك بأطروحاتها السابقة، وإن بخجل، وبوسائل التوائية متعددة الوجوه والصيغ.

ولأن الثورة تتعرّض لمخاطر جدّية تتجاوزها إلى الوطن ومصيره. ولأن التجربة أثبتت فشل ذلك النهج الفصائلي الذي استخدم الإسلام السياسي وسيلة وغطاء، وكان له أبلغ الأثر الضار على الثورة ومكانتها، وحواضنها، ومواقف الدول منها؛ فإن تراكب الوطني بالديمقراطي هو الاستخلاص الأهم، وهو الطريق الذي يجب العودة إليه بكل مستحقاته، ومستلزماته من مهام العمل، ومن إعادة النظر بالخطاب الذي ساد أعوامًا، والتوجه إلى شعبنا بكل فئاته وتموقعاته من منطلق وحدة البلاد جغرافيًا وسياسيًا واجتماعيًا، وعلى قاعدة المسؤولية التي لا تفرّق بين المواطنين حتى لو أدّت عوامل مختلفة إلى وقوف فئات منهم مع ما يعرف بـ “الكتلة الصامتة”، أو حتى المحسوبين على النظام، باستثناء تلك الفئة القليلة من الملوثة أيديهم بدماء الشعب، والذي يجب أن تكون المحاكم طريق التأمل لنيل الجزاء الذي تستحق.

الذي لا شكّ فيه أن البديل الوطني الديمقراطي لا يتعارض ووجود أحزاب أو تيارات إسلامية، شرط أن تكون مؤمنة به، وتمارسه في علاقاتها ونهجها، والتجربة التركية مثال يفقأ عيون بعض العلمانيين المتشددين، وكثير من الإسلاميين الذين ما زالوا يعزفون على أسطوانة البديل الإسلامي. كما أن هناك عشرات الأحزاب الدينية، المسيحية وحتى اليهودية المتشددة المنخرطة بالنظام الديمقراطي، والملتزمة بدستوره.

الحاجة ماسّة في سورية الثورة، وسورية القادم، وسورية البديل إلى تجميع قوى وفعاليات الشعب السوري حول الخيار الوطني الديمقراطي طريقًا وحيدًا.

مقالات ذات صلة

إغلاق