تحقيقات وتقارير سياسية

حزن الشام وفرح القدس المجزوء

يُشكّل انتصار المقدسيين، على إجراءات الاحتلال في القدس، ضربة موجعة لنظام الأسد وحلفائه ومناصريه ومن يدور في فلكه، انتصار من باب المراجعة الأخلاقية والسياسية لخطوات المواجهة والتصعيد التي جاءت ردًا على إجراءات المؤسسة الصهيونية، لكن ما علاقة انتصار أهل القدس، والمرابطين من خلفهم هناك، بما يجري في سورية، قد يتساءل البعض عن ربطنا المواضيع المتعلقة، بالصراع مع الاستعمار الصهيوني، بثورة الشعب السوري. ببساطة شديدة، لأن الاحتلال الصهيوني هو العدو الذي يُفترض أن تكون ممارساته ووجوده مقياسَ العداء الوحيد له في صدورنا، لا أن تحل مكانَها ممارسات أخرى، يُمارسها نظام فاشي على شعبه، يتنافس في بعض الأحيان على صدارة الإجرام، منذ ستة أعوام.

صمود المقدسيين وتراجع الاحتلال يعيدنا إلى أن نستحضر من جديد المقارنة بينه وبين نظام الأسد، من باب العداء للعدو؛ فنرى دمار ثلاثة أرباع المدن والأرياف في سورية، مليون قتيل وجريح، ملايين المشردين، فضلًا عن المآسي الاجتماعية والاقتصادية والشرخ العميق في جسد المجتمع، كل ذلك لم يُرضخ نظام الأسد لمطلبٍ بسيط على سبيل المثال “الكشف عن المعتقلين والمختفين” في زنازينه. صمود المقدسيين يجعلنا نراقب ذاك الرضوخ الذي أتى عليه المحتل صاغرًا أمام إرادة شعب، وكيف تم قهر إرادة السوريين بدباباتهم وطائراتهم من أجل هتافات طالبت بالحرية ورفضت المذلة.

في كل مرة نورد فيها سلوك وعدوان المستعمر الإسرائيلي مع أصحاب الأرض، ومقارنته مع سلوك الطاغية وزبانيته مع الشعب السوري؛ يميل الميزان، بكفته المثقلة بكل وخم التاريخ، نحو النظام. ستة أعوام نُراقب تفاصيل العار بالمقلب الآخر ونحن نذكر ملفات المعتقلين في سجون العدو الإسرائيلي وتسجيلهم “الانتصارات” بتحقيق بعض المطالب الإنسانية، إذا ما قُورنت مع سلوك الأسد نحو كل الملفات يظهر العدو “متفوقًا” في الميدان، لكنه -أي العدو الإسرائيلي- فرحٌ بشكل غامر بسلوك الأسد الذي أصبح متراسًا ودريئة “أخلاقية”، يُقدّمها الإسرائيلي في كل خطوة يُسجّلها أو في كل جولة صراع مع أصحاب الأرض، بحيث تُصبح المطالب العادية والحقوق على أنها هبات وتجاوب مع أصحاب الحق، ولسان الحال يقول “أرأيتم نحن نمنح المعتقلين زيارات ونُسهّل الدخول إلى دور العبادة”، بينما على الجانب الآخر استهزاء وتحقير وتدمير لكل شيء”؛ الأسد بات قبلتنا وقبان الميزان لسلوكنا.

فرحة المقدسيين، بتراجع المحتل عن بعض الإجراءات، اخترقت حواجز المحتل وحدوده لتصل إلى كل أرجاء المعمورة، فكيف ستكون سعادة السوريين بالانتصار على طاغيتهم والتخلص منه للأبد، هي سعادة مشتركة يتقاسمها المقدسيون مع السوريين. سعادة الانتصار على المحتل والطاغية بداية ذروة السعادة عند الإنسان، وهو ما رسمته شفاه السوريين وقلوبهم لحظة الأخبار الآتية من القدس، لكنها ستبقى غصات في القلب لمن يتبجح بنصر القدس من الشام وبيروت أو القاهرة وعمان، ويهلل “لانتصار” الأسد أو يعشق عصابته في ضاحية بيروت.

كواشف دمشق والقدس ستبقى مضيئة على عار لن تغسله كل شعارات التمسح والتقديس والتقية، سياسية كانت أم دينية، لن تفرح القدس إلا قليلًا والشام حزينة، ولن يكتمل الفرح إلا بهزيمة قوة الغطرسة محتلةً أو مستبدة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق