قضايا المجتمع

جيرون في عامها الأول “سورية التي تشبهنا”

هو جيرون وهي دمشق، هو بابها وهي داره، وبين جيرون “باب دمشق العتيقة والشاهد على عبق التاريخ”، و(جيرون) “سورية التي تشبهنا”، حكايةُ أجيال وانتماء. شبكة (جيرون) الإعلامية، بأبوابها ونكهتها ورائحتها السورية، هي شعلة لم تنطفئ، من يوم أُطلقت في 29 تموز/ يوليو 2016، لتبدأ رحلة التحديات في البحث عمّا يليق بسورية التي تشبهنا.

إنها الذكرى السنوية الأولى لـ (جيرون)، وهنا تعود تلك التفاصيل الصغيرة والحميمية، يومَ كان الكادر ينظر إلى الطاولات والكمبيوترات والأدوات الأخرى -قبل شهر ونصف من الانطلاق- كمن يرى خيوط حلم تبدى بين اليقظة والنعاس، في وطن كان جرحه عميقًا، وقد دارت عليه عقارب الانتظار الطويل فوق آمال أبنائه بالنهوض لبناء المستقبل، وكان السؤال: هل للصباحات القادمة، حين يفتح باب (جيرون) مصراعَيه، أن ترسل دفء الشمس بأشعتها لتملأ جوف المكان؛ فيهدأ جسدنا المرتعش ترقبًا وشغفًا.

عرّفت (جيرون) عن نفسها في موقعها بأنها: “صحيفة مستقلة، تلتزم خطًا وطنيًا سوريًا بمعناه العام، وتهتم بتشكيل رأي سوري، مستنير ومدرك لحوادث الواقع، ومتوافق مع قيم الديمقراطية وثقافة حقوق الإنسان”، لنسأل أنفسنا بعد عام: هل كنا مستقلين؟ ويأتي الجواب: إننا تورطنا في حب سورية أكثر وأكثر.

شهادات كثيرة قيلت في (جيرون)، منها ما قاله الباحث خضر زكريا: “تُعدّ شبكة جيرون الإعلامية اليوم واحدة من أبرز المنابر الصحفية المعنية بالشأن السوري، فهي تستقطب نخبة من أهم كتاب الرأي السياسي والثقافي في سورية، ومن بلدان عربية أخرى، ويتعرض هؤلاء الكتاب بالتحليل اليومي للقضايا المختلفة الخاصة بالثورة السورية وتطوراتها ومآلاتها”.

وذكرت الكاتبة حذام زهور عدي، في شهادتها: “لم أشعر لحظة بأن جيرون الإعلامية قد بدلت أو غيرت أو تدخلت في ما أكتب أو أنشر فيها؛ وهذه مسألة شديدة الأهمية، بالنسبة إلى أي كاتب أو محلل سياسي، ليطمئن، ويقدم أفضل ما عنده”.

فيما قال الإعلامي توفيق الحلاق: “أزعم أنها استطاعت أن تتبوأ مركزًا بارزًا في مستوى الصحافة العربية، وتفوقت على صحف عريقة ذائعة الصيت، والملفت في شبكة (جيرون) هو مساحة التغطية الإخبارية الواسعة لما يحدث في سورية بخاصة، والوطن العربي والعالم”.

الظروف القسرية التي أحاطت بسورية جعلت مهمة (جيرون) أكثر تعقيدًا وتحديًا، فقد توزع العمل على عدة بلدان، وبشكل رئيس كانت المهام بين الدوحة وباريس وغازي عينتاب ودمشق؛ وبهذا تشكّلت خلية عمل بكل معنى الكلمة، مع وجود إدارة مرنة وغير مركزية، منحت أهمية لمساحة الحرية، لا يجوز أن يتعدى عليها أحد، بعد تلك الدماء الزكية، وهذا ما ساهم في إنجاز المهمات على الرغم من اتساع المسافات وتشعبها.

الحديث عن الجهد، هو حديث عن محتويات أكثر من 25 بابًا، يضمها موقع صحيفة (جيرون)، تتنوع بين السياسة والمجتمع والاقتصاد والقانون والثقافة والترجمات والمراجعات الفكرية المختلفة، وهي منافذ استقطبت خيرة الأقلام والعقول المبدعة المهتمة بالشأن السوري، وساهمت -ضمن آمال (جيرون)- في رفد قطاع الإعلام السوري، بهذا الدفق الفكري والإعلامي، لتتضافر الجهود في تشكيل مساحة إعلامية وفكرية جادة، لطالما افتقدها السوريون.

شبكة (جيرون) الإعلامية هي “مجموعة وسائل إعلام وترويج مترابطة، تخضع لإدارة وسياسة واحدة، تضم بشكل أساسي (صحيفة جيرون الإلكترونية)، وصفحات تواصل اجتماعي تابعة لها، في (فيسبوك، وتويتر، وإنستغرام)، وقسمًا لإنتاج أفلام الفيديو (قناة جيرون)، والإنتاج الفنّي/ غرافيك (جيرون للأعمال الفنية)، وقسمًا للإشراف على إقامة الفاعليات الإعلامية والفكرية والاجتماعية.

مع مرور عام على انطلاقتها، لا بدّ من التأكيد على أن مساهمات الأقلام التي تفاعلت بإخلاص واهتمام من خارجها، وأصبحت أحد أركانها، أدّت دورًا فاعلًا في تدعيم هذا الحضور.

لكن ذلك بحد ذاته دافع لبداية متجددة، تستند إلى تقويم التجربة بإيجابياتها وسلبياتها، بمسؤولية ليست مهنية فحسب بل أخلاقية ووطنية، تجاه شعب يعاني في الداخل من آلام وحصار اقتصادي وأمني وفكري من قوى مختلفة، مع آلام الحرب وتداخلاتها، مضافًا إليها مآسي الفقد لأعزاء وبيوت وآمال، مع غد ما زال مجهول الشكل والاتجاه، وما يقارب نصف الشعب كان له نصيب التشتت في أصقاع المعمورة، في وقت تغاضى فيه العالم عن تلك المأساة، بل رآها فيلمًا سينمائيًا للفرجة التي وقودها دماء ودموع وآمال آدمية، ترافق ذلك أيضًا مع أجيال سورية تكبر وتدخل حيّز الفعل والتفاعل، وتبحث عن ذاكرة الانتماء ومساحة البقاء ودروب المستقبل.

كل هذا وأكثر يضع المسؤولية على عاتق الإعلام وكادره -كونه صوت الناس- كي يبحث عن كل الزوايا المظلمة لينير عليها ولو بكلمة، ويستنهض الطاقات السورية العظيمة، لشعب تحمل كل ذلك وما زال يهتف للحرية، ويراها بابه الوحيد للخلاص من هذا العسف، كمدن سورية وأبوابها، ومنها (جيرون).

إن الإعلام -إيصال المعلومة والمساهمة بتشكيل الرأي العام، وإزاحة الضباب عن الحقائق وإبرازها جلية- هو من أهم الوسائل التي تساهم في تدعيم النشاط العام في كافة المجالات، السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية وغيرها، وإن الحاجة الملحة التي تبدو جلية في سورية لوجود منصة إعلامية جادة ومتوازنة وجريئة، تؤدي دورها الحقيقي بين السوريين أنفسهم، في العالم، أصبحت من أهم الواجبات؛ كي لا يُترك المجال مشرعًا فقط لإعلام ليس سوريًّا، يستند إليه السوريون لأخذ المعلومة التي غالبًا لا تعبر عنهم، ومن هنا تزداد المسؤولية الملقاة على عاتق شبكة (جيرون)، وهي رهن بالمستقبل وما يحمله، لكن الأمل والثقة بالعقل السوري المبدع والمثابر، هو ما تستند إليه (جيرون)، قبل أي شيء آخر، وهو ما يدفعها إلى الثبات والسعي أيضًا.

ولعل ما كتبه الباحث جاد الكريم الجباعي بشهادته يعطي الكثير من الثقة، إذ قال: “سجّلت شبكة جيرون الإعلامية، بنشاطها الموازي والمكمل لنشاط المركز، نجاحًا يحسب لها، وللقائمين عليها، في هذه المدة القصيرة نسبيًا، ويعد خطوة في طريق التنمية الثقافية والتطوير الإعلامي”.

وقال الكاتب مازن الرفاعي أيضًا: “لقد استطاعت شبكة جيرون تجاوز معظم سلبيات العمل الإعلامي السوري، بشقيه المعارض والمؤيد، وتناولت موضوعات تثقيفية مثل الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، وعرضت تحليلات ورؤى مستقبلية لاستراتيجية العمل، وتمكنت من عرض آراء مختلفة ومتناقضة أحيانًا، ولم تكن بوقًا إعلاميًا لجهة بعينها، ولم تُمارس البروباغندا الإعلامية التحريضية، ولم تعتمد على المبالغات والشائعات، واحترمت وجهات النظر المختلفة”.

(جيرون) بشعارها “سورية التي تشبهنا”، ستبقى باب السوريين المشرّع والمفتوح، على اختلاف وجهات نظرهم ورؤاهم؛ ليتفاعلوا بأفكارهم كي تتلاقح وتزهر وتثمر، وهي أيضًا باب لكل محبي الوطن السوري، كما كانت دمشق منذ بابها الأول (جيرون).

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق