ترجمات

الغارديان: تأثير سكاراموتشي: ماذا يعني فساد البيت الأبيض بالنسبة للعالم

إدارة ترامب هي الآن منارة للاختلال الوظيفي. الحلفاء والأعداء يعرفون ذلك

خلال زيارته للمملكة العربية السعودية، التقى ترامب بالرئيس المصري، السيسي (أقصى اليسار)، الذي قام بعد ذلك بسن قوانين لزيادة تقييد المجتمع المدني في بلده. تصوير: وكالة الأنباء السعودية/ وكالة حماية البيئة الأميركية

في الأشهر الستة الماضية، عانى موقف الولايات المتحدة في العالم، من مرحلة قاسية على أقل تقدير. فقد احتضن دونالد ترامب رجالًا أقوياء، وتجنب بعض حلفائنا الليبراليين الأكثر ثقةً، وسحب على ما يبدو التزام الولايات المتحدة بالديمقراطية، وحقوق الإنسان. فالسلطة الأخلاقية للولايات المتحدة كانت دائمًا موشحة بالنفاق، إلا أنَّ تجاهل ترامب الصارخ للقيم الليبرالية وصل إلى مستوى جديدٍ تمامًا. والأسوأ من ذلك، أنَّ الانقسام الحزبي في واشنطن يقترن الآن بدرجةٍ من الخلل الوظيفي في البيت الأبيض، وبالبيروقراطية التي لم يسبق رؤيتها من قبل.

وحتى مع معايير هذه الإدارة، كانت الأيام العديدة الماضية مذهلة. في أعقاب هزيمةٍ تشريعية كبرى (لا تزال أوباماكير قائمة على الرغم من وعوده المتكررة بإسقاطها)، قرّر ترامب إعادة تنظيم البيت الأبيض. أنطوني سكاراموتشي، اختيار ترامب لمدير التواصل والإعلام. وخلال فترة ولايته التي بدأت منذ 10 أيام، حشر سكاراموتشي وسائل الإعلام في وضعٍ سيئ مع أوصافه لزملائه التي تثير الدهشة، ووجه انتباه الجمهور إلى أعداءٍ مفترضين، وخاصة الزعماء المزعومون في الجناح الغربي (ضمن البيت الأبيض). كل هذا تشكّل على خلفية إطلاق الصواريخ من قبل كوريا الشمالية، وانتقام روسيا من موجةٍ جديدة من العقوبات التي أقرّها الكونغرس.

يشير تعيين جون كيلي رئيسًا للأركان، إلى أنّه حتى الرئيس اعترف بأنَّ هذا المستوى من الفوضى هو مشكلة. ولكنْ يمكن لرجل واحد أنْ يعيد النظام إلى البيت الأبيض. لم ينج أحدٌ حتى الآن من نزعة ترامب إلى تقويض السياسة والاستراتيجية بتغريدة واحدة. لكن طالما ظلّ الاقتصاد قويًا، ويحظى الرئيس بتأييد الجمهوريين في الكونغرس؛ فإنّ احتمال حدوث تغييرٍ جذري ما يزال بعيد المنال.

ماذا يعني ذلك بالنسبة للقيادة الأميركية؟ بالنسبة للبعض، فإنَّ طيش ترامب، حتى الانفرادية العدوانية هي عرضٌ، وليست سببًا، لانحدار البلاد النسبي. ووفقًا لهذا الرأي، فإنَّ استثمار البلاد في الأممية الليبرالية هو استراتيجيةٌ عفا عليها الزمن، استندت إلى الحاجة التاريخية لمواجهة التهديد السوفيتي. وقد تم تصميمها لزمنٍ مختلف، عندما تجاوزت القوة العسكرية والاقتصادية للولايات المتحدة بكثير أيًّا من نظرائها الأوروبيين، فرادى أو مجتمعين.

إن تراجع البلاد عن المسرح العالمي كان لا بدَّ أنْ يحدث من زمن، هكذا يقول المنطق. وفي غياب ضرورةٍ أمنية وطنية واضحة، فإنّ نزعة التدخل الأجنبي هي استراتيجيةٌ سيئة، وشرٌّ بالنسبة للولايات المتحدة.

قد يكون أسلوب ترامب بغيضًا، ولكن سياسته أميركا أولًا ليست خاطئة.

ولكن هذا قصر نظر. القوة الناعمة هي أمرٌ حاسم للقيادة الأميركية، والآن أكثر من أيّ وقتٍ مضى.

يجري حاليًا تخفيض الاستثمارات في مجال المساعدة الخارجية، والدبلوماسية بشكلٍ كبير، حيث لم يتم إجراء التعيينات الرئيسة عبر وزارة الخارجية، كما أنَّ حقوق الإنسان لا تكاد تذكر، إنْ وجدت، في خطط ترامب أو تفكيره.

عندما انتصر الرئيس التركي أردوغان في استفتاءٍ شكّل تراجعًا عن الديمقراطية، كان ترامب أولَّ زعيمٍ أجنبي يتصل به ويهنئه. وخلال زيارته للمملكة العربية السعودية، التقى ترامب بالرئيس السيسي في مصر، الذي أصدر بعد أيامٍ قوانينًا لزيادة تقييد المجتمع المدني في بلده. إنَّ تجاهل ترامب للمساواة، وحقوق الإنسان لا يقتصر على الدول الأجنبية، ففي الأسبوع الماضي تمامًا، غرّد على (تويتر) قائلًا: إنه ينوي قلبَ خطط الرئيس أوباما لدمج الأفراد المتحولين جنسيًا في الجيش الأميركي.

“عندما انتصر الرئيس التركي أردوغان في استفتاء يهدف إلى التراجع عن الديمقراطية أكثر، كان ترامب أول زعيم أجنبي يتصل به ويهنئه”. صورة: وكالة أنباء الصين الرسمية/ صور باركروفت

قضية كلمات، وقرار ترامب بتخليص الولايات المتحدة من قوتها الناعمة، لها بالفعل آثارٌ واقعية. بالنسبة للمبتدئين، انخفضت ثقة الناس في الولايات المتحدة، فقد أظهرت دراسةٌ حديثة، أجراها مركز أبحاث (بيو)، انخفاضًا مفاجئًا في احترام الولايات المتحدة، ورئيسها. نحو 22 في المئة فقط، لديهم ثقة بأنَّ الولايات المتحدة سوف تفعل الشيء الصحيح في الشؤون الدولية في عهد ترامب، مقارنةً مع 64 في المئة أيام أوباما. وهذا النقص في الثقة أمرٌ مهم، ولا سيما في الدول الديمقراطية، حيث سيجد القادة الأجانب صعوبةً أكبر في دعم الولايات المتحدة إذا ما كانت شعوبهم ممانعةً بشكلٍ متزايد. ويبدو أنَّ احتمال القيام بزيارة دولة إلى الحليف الأكثر ثقةً للولايات المتحدة، المملكة المتحدة، قد أُرجئ بسبب مخاوف من ردِّة فعلٍ عنيفة محلية.

على الرغم من وجود مساحةٍ كبيرة للتشاؤم، هناك أيضًا شعورٌ بأنَّه، على الرغم من كلِّ شيء، بعض الأعمال سوف تستمر كالمعتاد. جنبًا إلى جنب مع خطابه العدواني، فقد أكدَّ ترامب التزام الولايات المتحدة تجاه حلف شمال الأطلسي، وحتى تجاه المادة الخامسة التي تربط أعضاءه سويةً بالتزام الدفاع المشترك. ولا توجد خططٌ لنقل السفارة الأميركية في (إسرائيل) من تل أبيب إلى القدس، كما اقترح في البداية، وتبقى الولايات المتحدة ملتزمةً بسياسة صينٍ واحدة، وتعود الى حلفائها المعتادين في الشرق الأوسط.

وهناك أيضًا بعض الأدلة التي تشير إلى أنَّ الضرر، حيثما وقع، يمكن أنْ يكون محدودًا. بالنسبة للمبتدئين، ترامب مقيدٌّ للغاية في الداخل. المجتمع المدني في الولايات المتحدة أكثر قوةً مما في أيّ بلدٍ آخر على الأرجح في العالم. وقد أكدّت الأشهر الستة الماضية ذلك، وليس فقط في السياسة الداخلية، وقد أعاد القطاع الخاص، والمنظمات غير الحكومية، وقادة الدولة تأكيد التزامات أميركا بالقيم الليبرالية. وحركة جون كيري في حديثه المباشر من باريس، وعمل بلومبرغ لتوحيد الحكام ورؤساء البلديات وقادة الأعمال ورؤساء الجامعات لضمان أنَّ الولايات المتحدة تضرب أهداف باريس هي مجرّد مثالين. كما واجهت مساعي ترامب لإغلاق حدود الولايات المتحدة أمام المسلمين واللاجئين مقاومةً قوية من المجتمع المدني، والتي بدورها لاقت دعمًا من القضاء.

ويظهر العديد من حلفائنا وشركائنا عدم الاستعداد في اتباع الولايات المتحدة نحو هاوية النزعة اللاأخلاقية في سلوكهم في الشؤون الدولية. أنجيلا ميركل، واصلت تذكير الرئيس بأنَّ حقوق الإنسان، والقيم الليبرالية قضيةٌ مهمة، وهناك آخرون يحترمون ترامب مع قدرٍ كبير من الحذر، وهذا أمرٌ جيد. إذا كان على الغرب أن ينجو على المدى الطويل، فإنّ التزامه بمكافحة الفساد، وإجراء انتخاباتٍ حرة ونزيهة، والديمقراطية يجب أن يتم التعبير عنها من قبل شخصٍ آخر غير الرئيس الأميركي.

 

اسم المقالة الأصليThe Scaramucci effect: what White House havoc means for the world
الكاتبليزلي فينياموري، Lislie Vinjamuri
مكان النشر وتاريخهالغارديان، The guardian، 1/8
رابط المقالةhttps://www.theguardian.com/commentisfree/2017/aug/01/anthony-scaramucci-white-house-chaos-trump-administration
ترجمةأحمد عيشة

*- ليزلي فينياموري هي مديرة مركز النزاعات والحقوق والعدالة والأستاذ المساعد في العلاقات الدولية في سواس Soas (وهي مدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية تابعة لجامعة لندن، تتخصص في مجال اللغات والعلوم الإنسانية والاقتصاد والقانون والعلوم السياسية المرتبطة بمناطق آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط)

مقالات ذات صلة

إغلاق