أدب وفنون

الفنان الفلسطيني هاني عباس الولادة بذاكرة بيضاء

“لا أحد يعرف كيف ترتب الحياة نفسها، أحيانًا، يحس المرء أن قصة ما انتهت، فإذا بها تبدأ. إن مستقبل إنسان كامل تراه فجأة متعلقًا بحادث صغير لا قيمة له”.

هذا ما حدث مع فنان الكاريكاتير الفلسطيني هاني عباس، إذ كانت الثورة السورية في أيامها الأولى هي الأمل الذي عاشه انتظارًا ليعود إلى وطنه بحرية وجدارة، ولكن حصار المخيّم والجوع والموت والتنكيل والفقد الحزين الذي شهده؛ جعل منه لاجئًا بمعنى جديد، بعد أن غيَّر مقر إقامته مرات عديدة محاولًا بناء حياة جديدة!

كانت إجاباته عن أسئلتي، بعد سنين من التشرد وعدم الاستقرار، إجابات خففت قليلًا من حنيني الحزين، وصدمتي بدمار وطن!

عندما طلبت منه أن يصف اللجوء، بعد سنين طويلة من بدء الأزمة السورية، وهو الفنان الفلسطيني الأصول والجذور، المولود والناشئ على أخلاقياتها في الأراضي السورية (الوطن الجديد)، وهكذا كان سؤالي الملحّ الذي سمع إجابة فنان شاب واعٍ لتجربة شخصية مؤلمة مع اللجوء:

“إن البشر جميعهم لاجئون بشكل أو بآخر، والمختلف هو طبيعة هذا اللجوء: هو لجوء إجباري نحو الأمان مثلًا أو هربًا من الحرب أو النزاعات، أو لجوء اقتصادي، بحثًا عن عمل أو وضع اقتصادي أفضل. لكن المعنى المتداول والمعروف عن اللجوء هو النوع الأول بالتأكيد، والذي يرتبط بالعديد من التشعبات الفكرية على وجه الخصوص. إن الإكراه على ترك الوطن ليس بالأمر السهل، واتخاذ قرار كهذا -بغض النظر عن خطورته وضبابية فرصة الوصول إلى المكان الآمن- هو قرار مصيري لعائلة أو فرد أو جماعة بشرية، خصوصًا إذا كانت الهجرة أو اللجوء نحو ثقافة أخرى، تفرض بالضرورة ذوبان الملامح الأصلية للاجئين مع مرور الزمن بعد جيلين أو ثلاثة تقريبًا. بالإضافة إلى المتاعب والصعوبات المتعلقة بمسائل الأوراق والاندماج، والصدمة، والذاكرة التي لا ترحم خاصة بالنسبة للجيل الأول من اللاجئين”.

وتابع إجابته بحسرة قائلًا:

“بالنسبة إلي قد يكون موضوع التسمية (لاجئ) ليس جديدًا، فأنا وكل الفلسطينيين في الشتات ولدنا لاجئين، وحملنا وثائق كُتِب عليها إننا لاجئون. كنا نفكر دائمًا ونلوم أجدادنا للجوئهم، ولكن في النهاية كتب علينا أن نقف في الموقف نفسه وأن نتخذ القرار نفسه.

لجأت ثلاث مرات، وغيرت مكان إقامتي عشرات المرات خلال فترة بسيطة، هذا له بالتأكيد وقع نفسي صعب، حالة عدم الاستقرار التي يمر بها الجيل الأول من اللاجئين. هذه الحالة وجميع ما ذكرته سابقًا، لا بد أن تؤثر سلبًا في الأطفال، وهو ليس بالأمر السهل أبدًا.

تابع إجابته بغصٌة الوالد وحرقته:

“الآن لدي طفلان: الكبير لديه للأسف ذاكرة القصف والموت، ولديه موقف سياسي أيضًا، بالإضافة إلى ذاكرة النزوح عشرات المرات، والصغير ولد هنا بذاكرة بيضاء”.

قلت: وأنت، كونك والدًا شاهدَ واقعًا عنيفًا عاشه كثير من أطفال سورية، لأن حربنا لم تخلّف إلا طفولة بائسة وفقرًا ونزوحًا، إعاقات جسدية ونفسية، وما زال الكل يدمّر الكل؛ ماذا تتمنى أن ترى لدى طفليك؟ قال: “أتمنى أن يكون لهما قلوب صافية!”.

هاني، يقولون إن الشخصية تتحدد اعتمادًا على السلطة أو الثروة، البيئة والتربية وظروف الحياة، وعليه فهي بنية معقدة تقوم في أساسها على خصوصية الشخص وتكيفه بصورة ملائمة مع محيطه.

“الموضوع بالنسبة لي بسيط جدًا.. الأمور واضحة وليس لي أي مصلحة مع أي شخص أو جهة أو تيار، أنا حرّ في خياراتي، وأقدس وأحافظ على هذه الحرية الخاصة مع إيماني بحقوق البشر ومحاولة تفهم طبيعة الحياة”.

هاني، الجمال هو الكمال الذي نشعر به لونًا، شكلًا ومضمونًا، لكن القبح هو المعنى المضاد للجمال، وهو ما يثير خيال وإبداع الفنان؛ فيحوّل القبيح إلى جميل ليحقق أهدافًا إنسانية.

“حقيقة أنا بدأت الكاريكاتير بالرسم السياسي، كفلسطيني ملتزم بقضيته منذ الولادة، فهذا سائد وطبيعي في رسومات أطفالنا حتى الآن. نحن شعب لديه قضية وحلم! ولكني مع ذلك رسمت عن حالات اجتماعية واقتصادية ورسوم للأطفال. واعتبر الكاريكاتير ضمن كوميديا الواقع السوداء، وعلى مر العصور”.

هل كان ما أنجزته من لوحاتك الكاريكاتيرية ملاذًا لتعلن عن استنكارك ورفضك للواقع المأسوي الذي نعيش؟

“بالتأكيد، أي فن هو بطبيعة الحال متنفس لكثير من المشاعر التي يعبر عنها الشخص. المشاعر والمواقف من القضايا الحياتية. الوضع الذي نعيش فيه مأسوي إلى أبعد الحدود، لا بدّ أن نصرخ.. لا بد”.

رأى الفيلسوف الوجودي (سارتر) أن الوعي الإبداعي للفن مرتبط بالحرية، لأن فيه تخيل لما هو غائب، وإعادة تركيب الصور وجمال موضوعاتها في الخيال الذي يمارس الفنان من خلاله تحرره وانفلاته وهروبه من الواقع. إن محتوى الفن وآثاره الراسخة -عمومًا- يرتكز على الحرية، بكل أشكالها.

ما الفرق الملاحظ بين لوحاتك، قبل الأزمة وخلالها وبعد اللجوء وعدم استقراره، ومحتوى فنّك الحر من التزام وتحريض؟

“بالتأكيد، الواقع المعيش يؤثر تأثيرًا كبيرًا في اختيار مواضيع الرسم، لأسباب عديدة، أهمها أنك ترسمين ما تشعرين وتحسين به، وأنك تعيشين في قلب الحدث، الحدث الذي يؤثر فيك وبمجتمعك بشكل مباشر، وكونك –أيضًا- موجودة ضمن هذا الحدث فلديك معرفة وخبرة ورؤية وربما حلم أو أمل نتيجة هذا الواقع. الفكرة الأساسية أو الموقف من الحدث لا تتغير بتغير الوقت أو الزمان بالنسبة لي، المواضيع ربما تتغير بانتقالي إلى خارج الحيز الجغرافي للحدث ولكن القضية تبقى ثابتة ولا تتغير”.

هذا يعني أن إلهامك في ما ترسمه هو موقفك الخاص من كوارثنا اليومية وخواء إنسانيتنا؟

“هي رؤيتي بشكل عام لكل ما يجري، لا أعطي الفرصة لأي شخص أو تيار أو صحيفة بفرض أي اتجاه علي، هذا يعنى أنني شخص حر لديه قضية”.

سألته عن “حنظلة” فقلت: أنت من يعرف أن حنظلة كان رمز ناجي العلي الشخصي، والضمير الإنساني في كل مكان. ما المعنى الحقيقي لحنظلتك، ومتى وُلد، وماذا أطلقت عليه من أسماء؟ ولأنه يعرف قيمة الرمز الذي أشرت إليه كان رده الذي أخجلني.

“ليس عندي حنظلتي الخاص بعد، أعتقد أن حنظلة ناجي العلي لن يُكرر ويستطيع أن يستمر ويملأ مكان الرمز لوقت طويل، ذلك لخصوصية هذا الرمز وتكثيفه للحكاية والرؤية والنظرة لما جرى، ويجري، وسوف يجري مستقبلًا.

بالنسبة للشخصية التي ذكرت فهي محاولة أو تجربة بسيطة تحمل قيمة محددة، ولكن بوجود رمز أشمل (أي حنظلة) فلا مجال لتكرار التجربة، وهو أمر طبيعي وواقعي من وجهة نظري، الزمن الآن صعب جدًا والأمور ليست بهذه البساطة، كما في زمن سابق. يقال عن السينما القديمة، سينما الزمن الجميل، كذلك هو النضال القديم والفن الثوري القديم، إنه زمن الفن الثوري الجميل والنضال الجميل، رغم معاناته”.

الفن هو الحياة. والحياة بالنسبة إليك ثورة مستمرة على كل شيء خاطئ. كنت ترسم منذ بدايات وعيك وفنك عن فلسطين، آملًا بثورة تعيدك إلى فلسطين، لذلك، فإن الأيام الأولى للثورة السورية أعطتك دفعًا بأن الوقت قد حان، وأن انتظار العودة سينتهي ولكن “جرت الرياح بما لم يشته أحد”، وبما فاجأنا وزاد ضياعنا، أما تعليقه فقد كان مستعدًا لتبرير صدمته:

“لأني فلسطيني ابن ثورة عظيمة؛ لا بد لي أن أقف مع الثورة في أي مكان في العالم، ضد أي احتلال أو ظلم أو دكتاتورية أو من أجل المطالبة بحقوق، هذا طبيعي، لا يمكنني أن أطلب من الناس أن يتضامنوا مع قضيتي -كفلسطيني- وأنا أقف ضد، أو أحارب تطلعات شعوب أخرى بالتحرر! هذا إن حصل فهو أشد أنواع النفاق السياسي والفكري واللا أخلاقي”.

هاني، إن الفنان إنسان صانع، يصنع الخيال من فكرة ما، ليحولها إلى شكل ذي نشاط إبداعي لذلك أعتقد أن فنان الكاريكاتير له لغة خاصة يجب أن تترجم واقعًا، من صميم حياة الإنسان، وعليه هل استطاعت صناعتك المتخيلة ولوحاتك الكاريكاتيرية، أن تعفيك من الدوران القاسي في وطن تائه يبكيه الموت الأخرق؟

“الفنون بأنواعها هي محاولات لتفريغ شيء ما أو لقول شيء ما، الفن الذي أنتجه -إن صح التعبير- مرتبط بشكل أساس بالأحداث داخل الوطن، أو الأوطان وما حولها أيضًا، وبالتالي لا يمكن أن أذهب بعيدًا. نحن محكومون بالبقاء جسديًا أو فكريًا، ومع أن ذلك فعل لا إرادي إلا أنه أجمل الأفعال اللاإرادية.

ما رأيك يا هاني بما آلت إليه حالنا؟ وبهؤلاء الذين يضعون الحدود للعقل ومحاكماته العادلة والمنتشرين في كل الدنيا، ولا يفهمون إلا ما يريدون أن يفهموه؟

“للأسف، سوسن، الجروح كبيرة وعميقة في داخلنا، الخسارات كبيرة، والأمور تجري من سيء إلى أسوأ، لذلك ما زلنا ندور، ونموت. القضايا التي نؤمن بها ونحارب من أجلها، قضايا عميقة وحساسة وتتعلق بجانب كبير منها بالشق الأخلاقي، وهنا تكمن الصعوبة في التأثير أو التغيير، يمكن أن تغير الكثير من الأشياء، ولكن من الصعب تغيير أخلاق البعض. هذه من أكبر المشكلات التي اصطدمت بها التطلعات نحو الحرية والمدنية والديمقراطية، كانت الصدمة أنّ ثمة أشخاصًا يريدون البقاء عبيدًا”.

 

هاني، إن عمل الفنان يحرره من مشاعر الخوف أو الغضب أو السعادة الكامنة في داخله، ويبرز ماديًا للعيان؛ وبالتالي يقود ذلك الفنان إلى حالة من الاستقرار النفسي. بعد الحزن المرير ولوعته وعدم الاستقرار الذي رافق اللجوء المتكرر، أعتقد جازمة أن الكثير من الأحاسيس وحماسها قد شكلوا لديك تعاريف معاشة أقل شجنًا، أو ربما أكثر وجدانًا وكآبة منها، ولكن فنك أخفى حقيقتها.

“فعلًا، سوسن، فقد أيقنت الآن أن:

–  الانتظار قدر والحزن ميراث

الفرح دموع والضحكة أمل

الابتسامة سخرية والدمع واجب يومي

الألم حياة والأمل: لعنة

الحياة ليست كافية!

–  الموت؟

فعلًا، عزيزي، الموت مجهول التعريف، لا توصيف له رغم تعدد الأسباب! إن مشاهد القمع والتنكيل التي عاشها إنساننا -بعد كل الآمال التي خاب انتظارها- قتلت الإنسان فينا.

“الإنسان اليوم في أسوأ حالاته. الوحشية أصبحت شيئًا عاديًا، أرقامًا للضحايا، صورًا لهم، لا يكترث لهم أحد، معتقلون مشردون لاجئون، مآس تمتد كل يوم إلى مكان جديد.. أتوقع كل شيء سيء ولا أتمناه”.

لذلك -وللأسف- هاني، لم يبق لنا إلا الفن الذي يكسب القبيح صفة لم تكن له! الفن سيدعم مداخل أخرى واسعة لرؤية الجمال.

الفن هو تعابير لأفكار صادقة وحس مرهف لمعضلات المجتمع، الفن الواعي له الدور الأبرز في إنتاج الحضارة النبيلة المتحررة من جميع القيود.

مقالات ذات صلة

إغلاق