تحقيقات وتقارير سياسية

مؤسسات القتل.. “فاغنر على طريق بلاك ووتر”

لم تبدأ شرعنة القتل في سورية مع المرسوم 55 لعام 2013، بل سبقته بكثير، ولكن القتلة كانوا “وطنيين”، أي كانوا سوريين ويعملون تحت إمرة سوريين، على الأقل في ظاهر الأمر، ولم تكن هذه المؤسسات تحمل أسماء أو عناوين، إذ كان يُشار إليها بأنها “حِراسة رامي”، “حراسة حافظ.. إلخ”.

في 5 آب/ أغسطس 2013، صدر المرسوم الجمهوري رقم 55 ليُشرعن أعمال القتل ويُنظّمها، وليجني الأرباح من أعمالها الإجرامية، إذ إن الفقرة (د) من شرح المرسوم أفادت بوجوب تسجيل الشركة في السجل التجاري. أما الفقرة (ب) فنصت على ألّا يقل رأس مال الشركة عن خمسين مليون ليرة سورية، وأن يكون هناك تأمينات تودع في المصرف، ويُمنع التصرف بها طوال فترة عمل الشركة، وأن تكون الشركة مسجلة في وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك، ولا شك أن المُشرّع هنا أراد أن يحمي المستهلك من الثمن المُبالغ به لقتله، كأن يتم قتله بقذيفة مدفع بدلًا من قتله برصاصة قناص.

وقد أكد المُشرّع على وجوب أن يكون العاملون في الشركة من السوريين منذ أكثر من خمس سنوات، وذلك حِرصًا على أن يكون القاتل وطنيًا؛ فهذا الأمر -ولا شك- يتعلق بـ “السيادة الوطنية”، والنظام الحاكم في دمشق يأبى أن يكون القتلة أجانب.

جديد المسألة هو كيف احتالت الحكومة الروسية على القوانين الروسية بعلم ورضاء السلطة شبه الحاكمة، وذلك بأن أدخلت مؤسسة (فاغنر) التي بدأت تتكشف أوراقها مع بدء ارتفاع عدد القتلى الروس في سورية، حيث تبيّن أن هؤلاء القتلى لا ينتمون إلى صفوف الجيش الروسي، ولكنهم دخلوا إلى سورية تحت مظلة القوات الروسية، وحقيقة الأمر أنهم شركة روسية خاصة للقتلة المأجورين، وهم يسيرون على خطى (بلاك ووتر) الأميركية في العراق، ومعظم منتسبي هذه الميليشيات هم من مواطني الاتحاد السوفيتي سابقًا، ويعملون بعقود خاصة، ولهم تعويضات تُقدّر بخمسين ألف دولار في حال الوفاة، بشرط أن يبقى الأمر مُحاطًا بالسرية بين مؤسسة (فاغنر) وعائلة القتيل.

ديمتري بيسكوف، المتحدث باسم الكرملين، صرّح بأن المواطنين الروس الذين يُقاتلون في سورية هم “متطوعون”، ولا علاقة لوزارة الدفاع الروسية بهم، ولكن هؤلاء، في حال قتلهم في سورية، يحصلون على الأوسمة الرسمية أحيانًا، وتُطلق أسماؤهم على المدارس التي كانوا يتعلمون فيها، وهذا يُناقض ما صرّح به الناطق باسم الكرملين بأن لا علاقة لوزارة الدفاع بهم.

من خلال ما قامت به هذه الميليشيات الروسية، وخاصةً في عملية “تحرير” تدمر، حيث كانت (فاغنر) القوة الرئيسة في تلك العملية العسكرية، ترافقها ميليشيات عراقية وسورية، ومعلوم أن هذا الأمر يتعدى عمل الشركات الأمنية الخاصة بالحراسة وتأمين كبار الشخصيات وأمن المنشآت؛ إذ إن معركة تدمر احتاجت إلى أسلحة ثقيلة وإلى تنسيق مستمر مع الطيران الحربي، مما يجعل ميليشيات (فاغنر) أكبر من مجرد مؤسسة أمنية، ويمكن وصفها بـ “وحدة خاصة” في الجيش الروسي.

يتضخم دور العصابات والميليشيات القاتلة في سورية على حساب الجيوش والقوات النظامية، ففي بداية الثورة اشتكت سلطة الأمر الواقع من أنها لا تملك قوات خاصة بمكافحة الشغب في تبرير غبي لزجّ الجيش في وجه الشعب الذي خرج مطالبًا بدايةً ببعض الإصلاحات، قبل أن يتطور الأمر للمطالبة بإسقاط الطغمة الحاكمة، بعد أن أوغلت بدماء المدنيين.

بين مؤسسات أمنية خاصة مُرخّصة، وأُخرى بلا ترخيص، نجد اليوم عشرات الميليشيات على مساحات واسعة من الجغرافيا السورية، ولا نعلم إن كانت الميليشيات المشاركة بقوات “الحشد الشعبي” قد حازت على تراخيص للقتل في سورية، وحصلت على سجلات تجارية ومُلتزمة بقوانين حماية المستهلك في سورية، علمًا أن هذه العصابات قد تم التصريح لها رسميًا من طرف البرلمان العراقي، وتم تحديد مخصصات مالية لها، قد تفوق مخصصات الجيش العراقي.

اليوم، بعد أن أصبحت إيران هي العقدة أمام منشار الحل، لا شك أنها ستلجأ إلى هذه الميليشيات للمشاغبة، على أي حل ممكن لا يُحقق مصالحها وطموحاتها، بعد أن استثمرت أقصى ما تستطيع في هذه الحرب الجائرة ضد الشعب السوري وإرادته؛ فهل سنشهد فصلًا جديدًا في المأساة، أبطاله من الطرف الروسي من مقاتلي (فاغنر)، ومن الطرف الإيراني من مقاتلي ميليشيات (فاطميون) و(زينبيون)؟

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق