سورية الآن

سورية، الاستثناء في حرب باردة

يتحدثون عن حرب باردة قد تنزلق إليها كل من الولايات المتحدة وروسيا. لكن متى لم تكن هناك حرب باردة بين الطرفين، منذ منتصف العقد الماضي على الأقل؟ ربما الفرق الوحيد بين الحرب الباردة التي عرفها العالم قبل العام 1990، وبين الحرب الباردة التي عرفها العالم، منذ منتصف العقد الماضي، هو أن الأخيرة غلب عليها استخدام أدوات القوة الناعمة بين المتصارعين، بصورة خاصة، من جانب الأمريكيين، الذين لم يوفروا جهداً لحصار روسيا بحكومات وأنظمة موالية لهم، وتهديد أمنها القومي في عقر دارها، منذ أن خط فلاديمير بوتين سياسة أكثر استقلالية عن الإرادة الأمريكية.

من جانب الروس، لم تكن عقلية بوتين، والنخبة المحيطة به، ونظرته للغرب، إلا نتاج حقبة الحرب الباردة، وعُقدها، التي رسّختها السياسة الأمريكية حيال روسيا في عقد التسعينات، والتي استخدمت كل الوسائل لإضعاف روسيا، وإنهاك نخبتها الحاكمة.

اليوم، لا يحدث شيء جديد، باستثناء إعادة تأكيد النخبة الحاكمة في واشنطن، لحقيقة، أن كلمتها هي العليا، وأن استراتيجيتها التصارعية مع روسيا، ستستمر إلى أمد، وأن ذلك القابع في البيت الأبيض، عليه أن يخضع لإرادة النخبة الحاكمة، أو أن يتنحى، أو يُنحى، وأن طموحاته بإقامة تحالف وطيد مع بوتين، ستذهب أدراج الرياح.

ويخضع ترامب بالفعل لإرادة حكام أمريكا الحقيقيين. مافيات شركات السلاح والطاقة في واشنطن، لم يستطيعوا هضم نظرية ترامب في التحالف مع نظرائهم في مافيات شركات السلاح والطاقة بموسكو. فالصراع على أسواق العالم، التسليحية وتلك المتعطشة للطاقة، صراع لا يمكن أن يخمد. ولا يستطيع ترامب مجابهة نفوذ أربابه في مؤسسات الدولة الأمريكية وفي أوساط مشرعيها.

وفيما يبدو أنه تجهيز للبديل، إن استعصى ترامب على التطويع، أبدى نائبه، مايك بنس، التزامه بالسياسة الثابتة للدولة العميقة في واشنطن، عبر تصريحات أطلقها على مقربة من موسكو، من الجبل الأسود، بغالبيته الأرثوذكسية، العزيزة على نفوس الروس، مؤكداً على التزام واشنطن بأمن دول شرق أوروبا، بما فيها، دول غرب البلقان، المعقل القديم للنفوذ الروسي في العمق الأوروبي.

لكن، ماذا يمكن أن يحدث بخلاف ذلك؟ لا شيء جديداً. فتجربة ترامب، حتى اليوم، تؤكد أن سياسات واشنطن، تصنعها قوى أكبر من الرئيس. لذا، لا جديد في الحالة التصارعية بين الأمريكيين والروس، والتي سادت العلاقات بين الطرفين لعقد ونصف العقد، رغم اللقاءات البروتوكولية المتكررة بين قادة البلدين.

حالة تصارعية تختلف حدتها بين ملف وآخر. الملفات العالقة معروفة، والملفات القابلة للتفاوض وربما للتسوية بين الطرفين، معروفة أيضاً. القرم، سيبقى ملفاً عالقاً وشائكاً. كذلك سيبقى ملف الحرب الالكترونية بين البلدين. كذلك الأمر في ما يتعلق بالحرب الاقتصادية غير المعلنة. وفي خضم ذلك، ستبقى ملفات أخرى مثيرة للخطر، قابلة للانفجار بين حين وآخر، كملف كوريا الشمالية. أما ملف سوريا، فقد يكون أكثر الملفات استثناء في الحرب الباردة بين الطرفين. فما يجمع موسكو وواشنطن في سوريا، أكبر مما يفرقهما. فأمن إسرائيل والحد من النفوذ الإيراني، والحفاظ على دولة عميقة يكون للأقليات دور كبير فيها، كلها نقاط تجمع الأمريكيين والروس في سوريا. لذا، من المستبعد أن نشهد تحولات نوعية في العلاقة بين الطرفين، في الملف السوري تحديداً، خلال الفترة القادمة.

وإذا كان ما سبق يبقى المرجح، إلا أن سيناريوهات أخرى مطروحة. من قبيل، أن تتمكن قوة إقليمية من جر الخلاف الأمريكي – الروسي في ملفات أخرى، لينتقل إلى الملف السوري، وتتمكن من اللعب على أوتاره. إيران وتركيا، مرشحتان للعب هذا الدور. والإيرانيون مرشحون أكثر مما هم الأتراك، بحكم ما يتمتعون به من رعونة وجرأة حينما ينخرطون في ساحة إقليمية ما. بخلاف الأتراك الذين تُولي قيادتهم اهتماماً كبيراً لاستقرار اقتصادهم، وعدم الانكشاف دون غطاء دولي بعد تجربة إسقاط الطائرة الروسية منذ أكثر من عام ونصف العام.

وهكذا، فإن التحدي الإقليمي للإرادة الأمريكية – الروسية المتوافقة على إنهاء ملف الصراع في سوريا، وتقاسم النفوذ فيها، وارد. لكنه يبقى احتمالاً أضعف من احتمال الخضوع لترتيبات المشهد السوري، وفق التوافقات الروسية – الأمريكية، التي تتجلى ملامحها هذه الأيام.

وفي نهاية المطاف، قد تبقى سوريا الاستثناء الوحيد في الحرب الباردة القائمة فعلياً، بين الروس والأمريكيين.

 

Author

مقالات ذات صلة

إغلاق