سورية الآن

لبنانيون يمضون إلى الأوهام!

قبل أيام احتفل الجيش اللبناني بالذكرى الـ72 لتأسيسه. وبالطبع حضر المناسبة وترأسها رئيس الجمهورية الجنرال ميشال عون، ورئيسا المجلس النيابي والحكومة. وغاب الاحتفال بذكرى التأسيس هذه لثلاث سنوات، لأنه لم يكن للبلاد رئيس بعد نهاية عهد الرئيس ميشال سليمان عام 2014. وكان «حزب الله» قد رشح الجنرال عون للرئاسة منذ نهاية مدة الرئيس لحود عام 2007، لكنه ما استطاع الوصول إلى أن وافق على ترشيحه أخيراً الرئيس سعد الحريري بكتلته النيابية الكبيرة؛ لذلك قابل المسلمون اللبنانيون انتخاب الرئيس عون بمشاعر مختلطة بسبب عمله مع الحزب منذ عام 2006؛ فيما كان هناك إجماع وطني على الجيش وجوداً ودوراً وانتماءً.

ولتمسُّك اللبنانيين بجيشهم أسباب عدة، بعضها تاريخي، وبعضها حاضر. ففي الجانب التاريخي أنه تكون عشية الاستقلال، فكان رمزاً للتحرر من الانتداب الفرنسي والاعتماد على النفس في حماية الاستقلال والاستقرار الوطني. وعندما قامت الدولة الصهيونية عام 1948 دخل الجيش اللبناني إلى جانب دولٍ عربية أخرى للقتال في فلسطين. ولكثرة الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، خاصة منذ انطلاق المقاومة الفلسطينية من أرضه أواسط الستينيات، صار أمل اللبنانيين (المسيحيين خصوصاً) أن يكون الجيش وحده في جنوب لبنان، وأن يكون وحده المنفرد بحمل السلاح على الأرض اللبنانية. لكنّ الطريف أنه بعد إخراج إسرائيل عام 1982 للمقاتلين الفلسطينيين من لبنان، وانكفاء المدنيين الفلسطينيين إلى المخيمات؛ فإنّ السوريين الذين كانوا قد دخلوا إلى لبنان عام 1976-1977 لإخماد النزاع الداخلي؛ هم الذين حالوا دون دخول الجيش اللبناني إلى الجنوب بحجة ضعفه وإمكان تعرضه للفشل أمام إسرائيل. وبعد وقت قليل قالوا إنه من الأفضل تكتيكياً وسياسياً أن تكون «المقاومة» هي التي تقاتل الاحتلال هناك. وبينما كانت المقاومة يساريةً في البداية، صارت إسلاميةً شيعيةً مدعومةً من إيران بعد عام 1985. وكما في حالة الفلسطينيين الذين بدؤوا في منطقة «العرقوب» بأقصى الجنوب للاشتباك المباشر مع العدو، ثم امتلأت مخيمات بيروت وصيدا وطرابلس بالسلاح والمسلحين؛ فكذلك صارت الضاحية الجنوبية لبيروت معسكراً هائلاً مسلَّحاً لدعم المقاومة في الجنوب، ثم صارت سائر المناطق الشيعية كذلك، خاصة في الجنوب وشرق البقاع وشماله وصولاً إلى احتلال العاصمة بيروت بالسلاح عام 2008. وانتشرت روايةٌ بين السياسيين اللبنانيين في التسعينيات تقول إنّ في إيكال النضال ضد الاحتلال لـ«حزب الله» بدلاً من الجيش، خدمةً للشقيقة سوريا، لأن النظام هناك لا يستطيع القتال من الجولان بسبب الهدنة والقرارين 242 و338! وشاع في عام 1993 على ألسنة الضباط السوريين في لبنان أنّ «مؤامرةً» كانت تجري دخل فيها رئيسا الجمهورية والحكومة لإرسال كتيبتين من الجيش اللبناني إلى الجنوب، إلى المناطق التي كانت إسرائيل قد انسحبت منها، وحال السوريون دون ذلك لأن المراد كان «إحباط» نضال المقاومة.

وعلى أي حال، بقي الجيش عموماً خارج الجنوب إلى عام 2006 حين اشتبك الحزب مع إسرائيل، وقالت إسرائيل إنها لن توقف الحرب إلاّ إذا دخل الجيش والقوات الدولية حتى الحدود. وهذا ما حصل بمقتضى القرار الدولي 1701 والذي منع كل سلاحٍ آخر شمال الليطاني غير سلاح الجيش والقوات الدولية التي تساعده! ومنذ ذلك الحين ساد السلام الحدود، وبقيت فقط إنذارات حسن نصر الله لإسرائيل أنه يملك مئات آلاف الصواريخ، وأنه سيدمرها في البر والبحر. وعندما انعقد الاتفاق النووي بين أميركا وإيران عام 2015، وجدنا الرئيس الإيراني ووزير خارجيته يشكرون بين من يشكرون «حزب الله» وجهوده. وهكذا كنا نظن أنّ الحزب بقتاله في الجنوب إنما يخدم سوريا، فإذا هو يخدم إيران، بدليل أنّ الجولان لا يزال محتلاً، ويزداد احتلالاً!

إنّ الأوهام التي تحدثتُ عنها في عنوان المقال، لا تتعلق فقط بوهم أنّ الحزب يقاتل من أجل لبنان. بل هناك وهمٌ آخر مستجد لدى كثرة من المسيحيين اللبنانيين. فهم لا يزالون متمسكين بالجيش، لكنهم متمسكون أيضاً بـ«حزب الله»؛ لأنّه يقاتل الإرهاب السني الذي يتهدد المسيحيين خصوصاً!

كان المسيحيون اللبنانيون هم الأكثر تمسكاً بالدولة وبالجيش وبالقرارات الدولية. وهم اليوم، وقد سيطرت عليهم ذهنية «تحالف الأقليات» التي تحميها إيران، لا حرج عندهم في استتباع الجيش للميليشيا الإيرانية، ونسيان الدولة والدستور، كما حصل أخيراً في جبال عرسال ورأس بعلبك: أي وهم الانتصار بتنظيم إرهابي على تنظيم إرهابي آخر!

(*) كاتب لبناني

Author

مقالات ذات صلة

إغلاق