سورية الآن

القريب المنقذ… سوريو الداخل في طوابير التحويلات

طالت الحرب في سورية، وعلى الرغم من الظروف القاسية التي يعيشها المواطنون في الداخل، قد يسأل كثيرون عن كيفيّة صمودهم حتى اليوم. يتّكل معظمهم على تحويلات الأقارب مهما كانت بسيطة. من خلالها، يستمرون.
يتساءل كثيرون عن كيفيّة صمود السوريّين في ظلّ الأزمة الاقتصاديّة التي تعيشها البلاد وغلاء المعيشة واستمرار الحرب، وقد استنفد معظم السوريّين مدخراتهم خلال السنوات الأولى من الأزمة السوريّة. ولدى سؤال عدد من المواطنين الذين يعيشون في مناطق مختلفة في الداخل السوري عن قدرتهم على الاستمرار، يلفت معظمهم إلى “القريب المنقذ”، فيما لم يأت أحد على ذكر المساعدات الإغاثية، سواء تلك التي ترسلها الأمم المتحدة أو المنظّمات الأخرى.
والقريب المنقذ هو إما أخ أو أب أو قريب، لجأ إلى تركيا أو إحدى الدول الأوروبية بعد الأزمة، أو أنّه يعيش في إحدى دول الخليج أو الولايات المتحدة الأميركية ويعمل فيها، ويرسل مساعدات ماليّة دورية إلى عائلته التي تعيش في سورية، علماً أنه في معظم الأحيان، لا يعد هذا القريب من الأغنياء.
في هذا السياق، يقول أبو مرعي، وهو فلّاح سوري من مدينة إدلب، إنّ “كل من لم يمدّ يده إلى المال الحرام، ولم يسرق أو يستغلّ حاجة الناس، إما يموت جوعاً أو يعيش متكلاً على التحويلات المالية، من بينهم أنا”. ورغم أن أبو مرعي ما زال يعمل في ورشة لإصلاح الأدوات الكهربائية، ويملك أرضاً يزرع فيها الزيتون خارج المدينة، إلا أنه وعائلته يتكلون على الحوالة الشهرية التي يرسلها الابن الأكبر اللاجئ في ألمانيا.
وفي مدينة حلب على سبيل المثال لا الحصر، يقف الناس في طوابير طويلة لاستلام الحوالات المالية، وهي لا تختلف عن طوابير الخبز والغاز وغيرها. ويقول أحمد، وهو طالب جامعي يقطن في مدينة حلب: “أتكل وأشقائي الثلاثة وأمي وأبي على ما ترسله لنا أختي من الإمارات شهرياً. صحيح أنّني أعمل في أحد المقاهي، إلا أن ما أتقاضاه قليل، ولا يكاد يكفي لشراء مستلزمات الجامعة. لولا شقيقتي، لتركنا دراستنا جميعاً”. يضيف: “لديّ معاناة شهريّة لاستلام المال. في أوّل كل شهر، أشعر أن حلب كلها تعيش على الحوالات، شيوخاً وطلاباً. ذات مرة، رأيت أستاذي في الجامعة”.
محاصرون ونازحون:
في المناطق المحاصرة، يتّكل معظم المدنيّين على الحوالات. يقول أبو قتيبة الذي يعيش في الغوطة إنّ “أهالي الغوطة في الداخل يعيشون على الفتات. حتّى أولئك الذين يعيشون في الخارج، يعملون جاهدين لتأمين هذا الفتات”. يضيف: “سافر ولداي إلى تركيا منذ نحو سنتين وبقينا نحن هنا. هما يضحيان بالكثير لأجلنا. يعملان 12 ساعة يومياً، أحدهما في ورشة خياطة والثاني في معمل إسمنت، ليأمنوا مبلغاً إضافياً يرسلانه إلينا كل شهر”.
حال المناطق المحاصرة لا يختلف كثيراً عن المخيّمات. في مخيم الرقبان الصحراوي على الحدود السورية الأردنية، يعيش أكثر من 50 ألف نازح سوري، ويعتمد آلاف النازحين على أقاربهم المقيمين خارج سورية، منهم أبو فراس الذي يعتمد على ما يرسله له ابنه، والذي يعمل في مجال البناء في الأردن، علماً أنّه يرسل مبلغاً زهيداً ليعين عائلته على البقاء. يقول أبو فراس: “يرسل لنا نحو 80 دولاراً شهرياً. لولاه، لما استطعنا شراء المازوت في الشتاء. من خلال هذا المبلغ، نجحنا في بناء بيت طيني بدلاً من الخيمة. لا تصل مساعدات إلى المخيم إلا كل عدة أشهر. فكيف يمكن أن نعتمد عليها؟ نشتري كل شيء بسعر مرتفع، حتى المياه”. يضيف: “كثيرون لا يحصلون على أي مساعدة من أحد، ويعجزون عن شراء الدواء، فيما يتلقّى آخرون حوالات قيمتها صغيرة، لكنها تساعدهم. يحصل بعضهم على 20 دولاراً أو 50”.
استغلال:
خلال عمليّات التحويل، يتعرّض المدنيون المحاصرون وأقاربهم في الخارج إلى السرقة في بعض الأحيان، وقد يستلمون أموالاً ناقصة. يقول أبو قتيبة: “تدخل الحوالات عن طريق التجار المتعاملين مع النظام إلى كلّ المناطق المحاصرة، فيأخذ منها جنود النظام والتجار والموزعون الذين يتولون تسليمها. المائة دولار تصل إليّ 60، ثم أشتري ما أحتاجه بثلاثة أو أربعة أضعاف سعرها الأصلي بسبب الحصار”.
وبهدف تفادي الأعباء المالية المترتبة على عمليات التحويل، يلجأ بعض السوريين إلى تنسيق عمليات تبادل الأموال بين من هم في الداخل والخارج. شريف شاب سوري يعمل في تنسيق تبادل الحوالات المالية بين تركيا وإدلب في مقابل أجر رمزي. يقول: “يحتاج كثيرون إلى تحويل المال من تركيا إلى أهلهم هنا. ويحتاج تجار أو أولئك الذين يخرجون من البلاد عن طريق التهريب، إلى إرسال المال أيضاً. أتولّى التنسيق بين المرسل والمستلم في تركيا من دون أن يضطر الناس إلى دفع مبالغ لا طاقة لهم على تأمينها إلى مكاتب التحويل”.
عمل إضافي:
خالد إبراهيم سوري يملك مطعماً شعبياً صغيراً في غازي عنتاب في جنوب تركيا. يقول: “أنا الضحية الأولى للحصار. فكلما اشتد الحصار، أضطر لإرسال مبالغ مضاعفة إلى سورية، ليستطيع أقاربي شراء الاحتياجات الأساسية فقط”. يضيف: “أرسل نصف ما أجنيه تماماً كل شهر إلى سورية، إذ أتولى مسؤوليّة ثلاث عائلات. ورغم أنني أعمل لساعات طويلة، أعيش ضغوطاً مالية كبيرة، من دون أن أتذمر على الإطلاق، فقد عشت الظروف نفسها وأعرف جيداً معنى أن يكون الرجل عاجزاً عن إطعام أسرته. أؤمن أن نصف رزق هذا المطعم لهم. ما يزعجني هو السرقة والاستغلال. فحين أحوّل المال إلى مناطق النظام، تختار شركات التحويل تصريف المبلغ بالسعر الذي يناسبها. وحين أحوّل المال إلى مناطق المعارضة، يصل إلى أياد عدة، قبل أن يتسلمه صاحبه”.
دين:
أبو فادي، وهو أب لثلاثة أطفال، يعيش مع عائلته في الدنمارك حالياً. يقول: “وصلنا إلى هنا بداية عام 2015، بعد رحلة طويلة استغرقت شهراً ونصف الشهر، بدءاً من قطع الحدود البرية مع تركيا إلى البحر والسير في الغابات الأوروبية. كنّا قد بعنا منزلنا في حلب لتمويل رحلتنا، إلّا أنّ أموراً كثيرة لم تكن في الحسبان. بعدها، اضطررت إلى طلب المال من أخي، فقد كنت عالقاً في منتصف الطريق. باع محله التجاري من أجل أن ينقذنا”.
يضيف أبو فادي: “أعمل حالياً في رسم النقوش على الرخام والخزف، وهي مهنة علّمني إياها والدي. من خلال عملي هذا، أردّ الدين لعائلة أخي، الذي استشهد بعد شهرين من وصولنا إلى هنا، ولديه خمسة أطفال أكبرهم في 14 من عمره. ورغم أنني لا أستطيع إرسال مبالغ كبيرة، لكنّني نجحت في منع ابنه الأكبر من ترك المدرسة من أجل العمل. هنا، أعيش بأمان، لكنّني أشعر بمسؤولية حيال أقاربي ومعارفي الذين يعيشون حياة صعبة في سورية. لو كان في استطاعتي مساعدة الجميع لفعلت. دائماً ما أشجّع المغتربين على مساعدة معارفهم من دون أن يطلبوا. أعرف جيداً أنّ معظم السوريين في الداخل لا يطلبون المال من أحد ولو كانوا في أمس الحاجة إليه. لذلك، أطلب من جميع المغتربين ألّا يتردّدوا في إرسال أي مساعدة مهما كانت بسيطة”.
أمّا فهد عبد السلام (21 عاماً)، وهو لاجئ سوري يعيش في ألمانيا، فيقول: “اليوم، أدرس اللغة الألمانية، وما زلت أعتمد على المساعدات الحكومية. أعيش وحدي في ألمانيا، فقد بقيت أمي وأبي وشقيقي المريض في سورية. ومع أنّ ما أتقاضاه هو الحد الأدنى المطلوب للعيش هنا، لكنني أرسل مائة يورو إلى عائلتي. ورغم أن المبلغ بسيط، إلّا أنه يساعدهم بسبب فرق العملة. من خلال هذا المبلغ، يستطيعون تأمين الطعام والدواء لشقيقي المصاب بالصرع. صحيح أنّ والدي يتقاضى راتباً تقاعدياً، إلّا أنه لا يكفيه لأكثر من أسبوع واحد”. يضيف: “أفعل ما في وسعي لأتعلم اللغة وأجد عملاً في أسرع وقت، علني أتخلص من هذا الضغط المادي. في أحد أيام، نظّم زملائي في المعهد رحلة، وكنت الوحيد الذي لم أسجل اسمي فيها، لأنّني لم أكن أملك المال. لما أصرّوا علي، أخبرتهم عن حالي، فعرضوا علي مرافقتهم مجاناً، ثمّ تبرّعوا بمبلغ 500 يورو لمساعدة شقيقي المريض. لكنني لم أقبل”.

 

مقالات ذات صلة

إغلاق