تحقيقات وتقارير سياسية

تل أبيب وإغلاق مكاتب “الجزيرة”

قررت “إسرائيل” البدءَ بإجراءات إغلاق مكاتب قناة (الجزيرة) الفضائية؛ ويعيدنا هذا القرار إلى نقطة البداية، لنجد أن الحملة ضد القناة في تل أبيب قديمة، وقد بدأت مع افتتاح مكاتب (الجزيرة) في الأراضي الفلسطينية المحتلة ومدينة القدس المحتلة، وكان الاعتراض على السياسة الإعلامية والتحريرية لقناة (الجزيرة) واضحًا منذ اليوم الأول. الجديد في الأمر أنْ تتشارك سلطات الاحتلال اليوم مع جزء مهم من النظام الرسمي العربي الذي أصبح ملهمًا للعقل الإسرائيلي يفتح بابَ الجرأة أمامه لأخذ القرارات الحاسمة، وهو ما عبّر عنه وزير المواصلات الإسرائيلي أيوب قرا في هذا الصدد، قائلًا: “خطوة إسرائيل تتوافق مع ما قامت به دول عربية سنية وعاقلة ومعتدلة، نريد شراكة حقيقية معها بنهاية المطاف”.

تتوافق تلك التصريحات مع حملة التحريض التي بدأها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ضد قناة (الجزيرة)، في أعقاب العدوان الأخير على مدينة القدس وتصدي المرابطين هناك للإجراءات الإسرائيلية التي رأت أنّ تغطية (الجزيرة) تمثل تحريضًا على “الإرهاب”، واللافت أيضًا أن تصريحات الوزير الإسرائيلي أبانت عن شيء واضح، بشأن (الجزيرة)، بين “إسرائيل” والدول العربية التي أخذت قرار حصار الدوحة، وكأنها تريد إزالة عقبة “الخجل” من أمام “إسرائيل”، بما يشي أن المرحلة القادمة لا تحتمل وجود (الجزيرة) لا عربيًا ولا إسرائيليًا.

خطوات قادمة عبّر عنها أكثر من مسؤول عربي وإسرائيلي، بدأت من التحريض على (الجزيرة)، في ما يخصّ الثورات المضادة، وكأن هناك توافقًا تامًا على تثبيت ودعم الديكتاتوريات والمساعدة على الإفلات من العقاب، وممارسة القمع دون رقابة الإعلام الذي تحمل (الجزيرة) رأس حربته.

إنّ أحد أهم المخرجات المهمة للثورات المضادة واستراتيجية ما بعد الربيع العربي يتمثل بتجفيف “منابع” المعرفة، وإن “الإرهاب” الذي تُتهم به (الجزيرة) ليس صادرًا من “إسرائيل” فقط، إذ شكلت الثورة السورية البدايةَ للحملة الموجهة على الإعلام وعلى دوره “الخطير” في الكشف عن جرائم النظام، ثم تبعتها دول الثورات المضادة بالحملة إلى أن جاءت تغطية (الجزيرة) للاعتداءات الإسرائيلية على المسجد الأقصى، وقد شكلت مناسبة للمحتل كي يلتفت إلى قائمة العقوبات العربية ضد العربي الآخر.

المختلف، في الحملة على قناة (الجزيرة)، ليس تحديثها إسرائيليًا بما أن دولًا عربية أشعلت الحملة ضدها، بل إن النموذج العربي في التعاطي مع العربي سيحكم العلاقة بين الاحتلال والمحتلين، ولسان حالهم يقول “هذا منطقكم”، وحكمكم الذي أرسيتم دعائمه، بمعنى هناك مراجعة إسرائيلية للائحة التعاطي مع الشعب الفلسطيني، تستند إلى الشروط العربية، كنا تحدثنا عنها سابقًا في ما يخص النظام السوري الذي يشكل سلوكه “بارموميتر” في العلاقة القمعية والجرمية، بحيث يكون القاموس والمرجع في ما يتعلق بمراجعة نسب القمع الإعلامي والحصار والقتل تحت التعذيب والتهجير والتنكيل بالسكان المحليين.

إذًا، التهم الموجهة لقناة (الجزيرة)، من قبل أنظمة عربية، أصبحت هي ذاتها بالنسبة للاحتلال قدوة ومرجعية؛ وستتسع الدائرة لتكون القدوة أشمل، حسب كمّ المشورات الدافقة على تل أبيب من كل الاتجاهات، بالتأكيد القرار الإسرائيلي لن يزعج الإعلامَ الممانع أو إعلام الثورات المضادة، بما أنه سيزيح من أمامه عوائق تقدم الدجل الإعلامي ومواصلة التغطية على الجرائم وممارسة الإرهاب، دون وجود (الجزيرة). وكأن هؤلاء لا يعلمون أن سياسة التدجين لم تعد تفيد، وأنّ ممارسة الجرائم والتغطية عليها أيضًا لم تعد تجدي، في ظل الانتشار الهائل لوسائل المعرفة، فمقاومة الاستبداد والاحتلال ستبقى قائمة، إن كان بوجود (الجزيرة) أو من دونها.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق