مقالات الرأي

فتاوى ومحاكم فوق ركام الحرب

شكّلت انطلاقة الثورة السورية، واتخاذها “الجوامع” ويوم “الجمعة” مكانًا وزمانًا، مثالًا نموذجيًا على تعقيدات العلاقة بين الدين والسلطة وقضايا التغيير؛ وتباينت مواقف رجال الدين من الثورة السورية، بين مؤيّد ومعارض وصامت، وأنتج تداخل الدين بالسياسة -عربيًا وسوريًا- فيضًا كبيرًا من “فتاوى الأزمة” المتعددة الاتجاهات، ومن أحكام المحاكم الشرعية ومقترحاتها، وقد تغطت تلك الفتاوى والأحكام بعباءة الدين؛ لتنال من كرامة السوريون والسوريات وحرياتهم وحقوقهم الإنسانية دون رادع، وبحجّة السعي لمصلحة السوريين.

تطايرت الفتاوى “الدينية المسيّسة”، من هنا وهناك، على ألسنة شيوخ السياسة لتوجيه الرأي العام وحرفه عن مسارات البداية في رفع الاستبداد السياسي السلطوي المتعملق، فصدحت ألسنة الشيوخ من كلا الطرفين، من جهة النظام لتشرّع ما يقوله وما يفعله، وخصص التلفزيون الرسمي السوري حلقةً للدكتور محمد سعيد رمضان البوطي، في 24 آذار/ مارس 2011، قُبيل تظاهرات الجمعة لإدانة التظاهر وتهدئة الجماهير، وللتأكيد على أن ما يحصل “ذريعة إلى الفتنة”، ومؤامرة قد يكون وراءها “اليمين الأميركي المتطرف واليهود بهدف إسقاط النظام الممانِع”، وأن هؤلاء المتظاهرين “ينتعلون المساجد” لأهداف وغايات شريرة، و”ليسوا من المتدينين أصلًا”. وفي الجهة المقابلة، انطلق الرد على لسان الشيخ يوسف القرضاوي الذي ظهر، في اليوم التالي 25 آذار/ مارس 2011، على تلفزيون (الجزيرة)، لينتقد موقف البوطي والنظام السوري عبر خطبة الجمعة، ورأى أن “قطار الثورة” تأخّر في الوصول إلى سورية.

توالت الفتاوى من كلا الطرفين، ولم تعد تقتصر على البوطي والقرضاوي، بعد أن تحوّلت سورية إلى بؤرة جهاد، ودخلت في معمعة فتاوى “الجهاد”، لينهال كمّ الفتاوى الكبير بوجوب “الجهاد لنصرة سورية بالنفس والمال والسلاح”، الذي تبنّته الهيئات والمؤتمرات الدينية كمؤتمر “موقف علماء الأمة من القضية السورية”، في القاهرة في حزيران/ يونيو 2013، إضافة إلى مئات الفتاوى الفردية لأشهر العلماء “السنّة” في العالم العربي، كالشيخ القرضاوي وصالح اللحيدان وعبد العزيز الراجحي، وغيرهم من الذين صرّحوا أن الجهاد لنصرة مسلمي سورية “فرض عين على كل مسلم وليس فرض كفاية”، وقد قابلها من جهة “النظام” جهادٌ آخر، أطلق نفيره مفتي سورية أحمد بدر الدين حسّون، عبر التلفزيون الرسمي في 11 آذار/ مارس 2013، بأن “الجهاد ضدّ كل من وقف واستهدف سورية هو فرض عين ليس على السوريين فحسب، وإنما في كل الدول العربية والإسلامية”.

تشعّبت “الفتاوى الجهادية” وتنوعت أطروحاتها، ولم تعد تقتصر على الدخول المباشر في السياسة ونصرة الحاكم أو الخروج عليه، أو “قتال الكفار” التي شرّعتها (داعش) وأخواتها لقتال المسلمين وغير المسلمين ممّن لا يتوافقون معها، وافتتح باب آخر أكثر صدى في الفتاوى “لغايات جنسية”، اتجهت هذه الفتاوى نحو النساء، وبدأت ملامح التوظيف النسائي والاستثمار الحربي والجنسي للنساء، لخدمة غايات آنية للتنظيمات الجهادية، وتجلّت في فتوى “نفير النساء” للقتال في صفوف الجهاديين، وتشريع ما ليس مشرّعًا في فتوى “جهاد النكاح”، التي لاقت قبولًا عند بعض النساء ليقدّمن أنفسهن مكافأة لرجال الجهاد، وينلن شرف الجهاد في النكاح!. لم تقتصر “الفتاوى الجنسية” على هذه الفتوى، فهناك ما هو أشنع  كالفتاوى التي طالت النساء السوريات، والتي تظهر خلل النظرة الدينية للمرأة واستسهال تحويلها إلى “سلعة وجارية وتابعة”، مثل الفتوى التي أطلقها الشيخ ياسين العجلوني القيادي بالتيار السلفي في الأردن، نيابة عن علماء الإسلام في الشام، وهي تبيح للرجل اتخاذ 50 امرأة سورية، ويكفي أن تطلب المرأة من المسلم القادر على كسوتها وسترتها وإيوائها أن يدخلها في عقد “ملك اليمين”، كي تُطبّق فيها أحكام شرع الله في زواج “ملك اليمين” الذي يجعلها “أمَة وجارية” كعلاج لمسألة التهجير والتشرد، فالنساء السوريات المهجّرات لا يجدن من يغطي نفقاتهن ويحفظ أمنهن!.

إضافة إلى استسهال إطلاق الفتاوى وكثرة المُفْتُون، انقسمت سورية بين المجموعات المتقاتلة التي بنت محاكمها الشرعية، وأطلقت عنان تجاوزاتها لكافة الحقوق البشرية، لتحكم كما تدّعي بـشرع الله وأصدروا أحكامهم وفق الحدود الشرعية، واشتغل رجال الحسبة بتعذيب البشر، فلكل فصيل محكمته ومقصلته الخاصة، أما المحكمة الشرعية الرسمية التي تطبّق بدورها الشرع الإسلامي، فإن مقصلتها طالت حالات معينة من “الزيجات”، مثل “زواج القاصرات” الذي وجد مبرراته تحت ذريعة السترة ودفع البلاء وازداد انتشارًا، ولم تمنعه هذه المحكمة إنما تشترط فيه أهلية الزواج التي تقتصر على الحالة الجسدية و”البلوغ” (الفتى في عمر 15 والفتاة في عمر 13) متجاهلة عمق المصائب المترتبة عليه، و”الزواج المدني” الذي تعتبره زنى، و”الزواج الباطل” الذي يشمل الزواج بين الطوائف المختلفة، ويستثنى منه زواج المسلم من غير طائفته، على الرغم من ضرورة التشجيع عليه، كخطوة في طريق الحدّ من الاختلافات القائمة وخلق مسارات التآلف في مجتمع متنوّع، ويضاف إليها تسهيل هذه المحكمة قضايا الطلاق في حالة الزواج من “العاملات” في مهن محددة كالعمل في المقاهي والمطاعم، وقد اعتبرها القاضي الشرعي الأول في دمشق محمود المعراوي غير محبّبة ولا تليق بالمجتمع السوري وتسيء للرجل! رغم إدراكه هو وغيره ما وصلت إليه الحال المعيشية السورية، ليكون الجديد في هذه المحكمة تجاوزها لوظيفتها المحدّدة بالقانون في مسائل “الزواج، الطلاق، والحضانة، والوقف، والديّات..”، وتوجّهت مع بداية هذا العام نحو شرعنة “الزواج الثاني” والتساهل في شروطه -وجود سبب مشروع والقدرة المادية- لحلّ مشكلة “العنوسة”، فحسب وسائل الإعلام الرسمية، أراد القاضي المعرواي أن يحلّ مشكلة السوريات العازبات “العوانس” وأعدادهن المتزايدة مع القتل والهجرة للشباب السوريين، مقترحًا ومشجّعًا -من تبقى من الرجال- على “الزواج الثاني”، ليحلّ مشكلة “عالقة”، حسب رأيه، بإضافة مشكلات “شائكة”! هذا التصريح رافقته حملة ممنهجة من قِبل شيوخ جوامع دمشق، لتكون خطبة صلاة الجمعة في 17 شباط/ فبراير، للتأثير على الرجال “المقتدرين”، وإقناعهم بالزواج من امرأة ثانية لمعالجة انتشار “الانحلال الأخلاقي”، بين النساء في المجتمع السوري!.

ما حصل في سورية نزع الغطاء الرثّ عن خلل الخطاب الأيديولوجي الديني مقرونًا بسوق واسع ومتعدّد من “الفتاوى” المسنودة لنصوص مقدّسة وأحاديث نبوية يتم اجتزائها وإخراجها عن سياقها الزماني والمكاني، والتركيز من قبل بعض “العرّافين” على بعدها الأيديولوجي الذي لا يقلّ تأثيره في بعض النفوس عن العقيدة نفسها، والناتج عن غياب الفكر النقدي وتكريس منظومة التخلّف وإعادة إنتاجها على نطاق واسع في بنية المجتمع. فهذه الفتاوى القادرة على تشويه مكانة العقل، والأحكام التي طبّقتها أو أطلقتها بؤر المحاكم الشرعية، في معظم المناطق السورية، على الرغم من اتخاذها مادة للسخرية من قبل البعض؛ وجدَت صداها لدى البعض الآخر الذي يتّبعها، والذي ما زال يرى حلول المستقبل في العودة إلى الماضي، وتطبيق “شرع الله” الذي انحرف عن وجوده، كضابط أخلاقي اجتماعي ليصير تضييقًا على الحياة وقهر لإنسانية الإنسان تقوده العقول الصدئة، ليزيد فوق ركام الحرب ركامًا.

مقالات ذات صلة

إغلاق