مقالات الرأي

توافقات سورية موضعية ضمن خارطة التناقضات

في العصور القديمة، كان فلاريس طاغية أغريجنتو في صقلية، يشوي المساجين في مملكته بأن يضعهم داخل ثور نحاسي برونزي ضخم، توقد تحته نار هادئة، ثم توضع قصبتان، تشبهان المزمار، في منخار الثور بطريقة فنية بارعة، بحيث تتحول أنات المساجين وصرخاتهم في أذنَيه إلى نغمات وألحان موسيقية؛ ينام على عذوبتها. صيغة الخذلان (العالم/ سورية) لا تبدو بعيدة عن التشبيه السابق، أضحت البلد مغلقة ومطوقة، يحترق شعبها في الداخل على نار هادئة منذ ست سنوات، ووُضع الأسد وحلفاؤه، كقصبتين، تُحوّلان أوجاع هذا الشعب إلى موسيقي تطرب هذا “العالم الفلاريسي”. وإنْ قُيّض لأحد المساجين الهروب من هذا الهلاك؛ وقع في يد ميليشيات منظمة تنظيمًا عاليًا في الجوار تدعى “جيوش”، وتُصفى كرامتهم المفقودة منذ قرون بسوط العنصرية والتمييز في بلدان تقوم على أسس طائفية، تبحث بعد اغتصاب السلطة عن روح “الوطنية” والتكامل، أو بلد يلعب على حبال السياسة لكي لا تصله رائحة دم جاره، وآخر منهك بحروب مذهبية، من يَستأصل فيها ليس أفضل حالًا ممن يُستأصل، وآخر استعماري بدا غائبًا شكليًا عن الصراع، وهو المتحكم بشكل كبير في مساراته، وبلد يجعل من نفسه عنفة تحجز وراءها سيلًا من اللاجئين، يهدد بهم العالم في كل مناسبة.

في معركة السوريين، لإعادة إنتاج ذواتهم الاجتماعية والإنسانية بعيدًا عن الشمولية السياسية وسلطوية النظام الحاكم، كانوا ضحية سياق تاريخي وظرفي رجعي، سادت فيه تناقضات مفاهيمية أثرت على قضيتهم وجعلتها مزمنة؛ بما فسح المجال لمعادلات تفاعل (داخلية – خارجية) أن تشتغل، فالسلطة قامت بتصفية الحراك السلمي المدني مبكرًا مدعومة بالحلفاء والقوات الرديفة، أما القوى الدينية فقد نظمت معسكرها مسلحة بنسق من الأفكار ومدعومة من دول إقليمية، عبر مؤسسات غير حكومية افتتحت لـ “المساعدة”، وقوى قومية بائسة مسلحة بسرديات تاريخية ومدافع من الخارج، تبلي بلاء حسنًا –والسلطة- في إعادة إنتاج ورش بذور الرجعية الدينية. تثقل كل هذه المركبات كاهلَ الثوار السوريين المؤمنين بقيم الديمقراطية والحرية وتجعلهم مثارًا للسخرية، عند طرح قضاياهم أمام صراعات الطحن الأيديولوجي.

هذه التناقضات والتغيرات المفاهيمية أفرزت عمليات في سورية وعليها، فما حدث كان ثمن سياسات الدول المتدخلة انطلاقًا من مضامينها “القومية”، وتراجع مبدأ العالمية في حل الأزمات، ولا سيما تلك المتعلقة بحقوق البشر والديمقراطية “الكوسموبوليتانية” لصالح الانكفائية، ومن كونية من المفترض أن تحبذ الروح الأخلاقية والمساواتية العادلة والمتضامنة إلى كونية “زجرية”، يغدو فيها القوي أزعر العالم، يفرض ما يريد ويخلخل ما تمّ بناؤه متى يريد، وتكريسًا للكولونيالية التوسعية الإقليمية والدولية وطحن الشعوب وبناء إمبراطوريات على جماجم البشر في حضرة التاريخ.

أنتج كل ذلك قضيةً معقدةً، مناط التعقيد فيها تراكب قضايا أخرى عليها، قضية روسية (حلم العودة إلى ثنائية القطب والندية السياسية لأميركا)، وأخرى إيرانية (المشروع القومي بأدوات ومداخل دينية)، وقضية أميركية (الهيمنة على سورية الاستراتيجية، الأمن القومي ومصالح الحلفاء، حماية إسرائيل)، وإسرائيلية (سورية مفتتة مضبوطة). فلم يعد ما بدأه الشعب السوري متحكمًا بدينامية حركة الأحداث، بل على العكس، أضحى طرفيًا لصالح مركزية الغرباء، والتقاطعات بين مطالبه وقضايا الآخرين -حتى ممن يدعون دعم مطالبه- تكاد تُعدم.

ثمة مؤخرًا مسار جديد للأحداث عنوانه العريض -لدى الأطراف الدولية- هو التعاون في سورية وتسوية ملفها، حيث ولد اتفاق هامبورغ لوقف إطلاق النار جنوبي غرب سورية، إثر اجتماع (ترامب-بوتين) وجرى سحبه إلى الغوطة الشرقية وريف حمص الشمالي، لكبح عجلة صراع يتفلت تصاعديًا عن السيطرة، ويخلط الأوراق بشكل خطير، ويجعل الإقليم مهددًا بحروب نظامية. قد يغلق هذا الاتفاق، ولو جزئيًا، صفحةَ التناقضات الماضية، إذ يكتسب أهميته، على الرغم من الغموض في تفاصيله والشك الذي ينتاب الأطراف المتعاونة، من أنه استثنى إيران إحدى أهم قوى تعقيد النزاع، وككل اتفاق مجرد له مبرراته المهمة وعوامل نجاح وفشل، يبدو أنه سارٍ بشكل يراد له أن يرى النور، فهو يحقق أمن “إسرائيل” التي لطالما شكّلت بعدًا مهمًا في السياسة الخارجية الأميركية وأقل منها الروسية، وتُرضي صورة موسكو الذي يلخص كل تدخلها بتصريح لافروف (توصل موسكو مع واشنطن لاتفاقية تخفيض التصعيد في سورية أثبت أنه بالإمكان تحقيق الأمن العالمي) وعدم رغبتها في إنجاز العمليات العسكرية إلى ما لانهاية، ويفرغ أميركا للعمل وفق أولوياتها في قتال (داعش) وتحجيم النفوذ الإيراني عبر تهميشها ودقّ أسفين في علاقاتها مع روسيا. أزمة مدوّلة بهذا الشكل لن يُنتج التوافق على حل قضيتها إلا مركبًا مشوهًا، يختلف بالشكل عن المركب الأسدي، ويحاكيه في المضمون. وحلًا بصيغة “لا غالب ولا مغلوب”، بشكل لا يتناسب وتضحيات الشعب السوري. ومن دون تبرئة العوامل الذاتية في ما استقرت عليه الأمور، وبعيدًا عن جلد الذات المفرط، يُطلب اليوم، إزاء هذه المرحلة الجديدة الضبابية، قرع ناقوس الخطر والشروع بالتنظيم على المستوى المدني في “فيدراليات” الثوار، وخلق إدارة تعكس روح التحرر والقيم الديمقراطية، وتتولى نشر الوعي وفسح المجال أمام منظمات المجتمع المدني، لتلعب دورًا في تنشئة المجتمع الثقافية ونفض غبار أيديولوجيات ما دون وطنية، وليس ذلك صعبًا خاصة بعد انكشاف المشاريع الخلبية أمام الشارع المدني، وعلى المستوى السياسي بتجميد جثث هيئات سابقة وإعادة هيكلية جديدة في حدود ولوازم داخليتنا بعيدًا عن الخارج، إثر انحسار دور دول إقليمية كانت مؤثرة وتعطل القرار نتيجة تنابذ المصالح، وبغض النظر عن أسطوانة البديل المشروخة، أصبحنا بحاجة إلى البديل لذاتنا، وبديلنا هو نخب تأسس لمجتمع مدني ديمقراطي يحلم به السوريون، ويُقصّر من عمر الأسد، ويقطع الطريق على إعادة إنتاجه.

مقالات ذات صلة

إغلاق