مقالات الرأي

العودة إلى “حضن الوطن” أم إلى “حضن الطاغية”؟!

من نواف البشير إلى بسام الملك، وما بينهما، العنوان واحد: “العودة إلى حضن الوطن”، والتبرير كبير، والشعارات فاقعة، والسؤال حاضر: أي وطن يعودون إليه؟ ومن يكون هذا الوطن؟ وأي دور حقيقي سيلعبه هؤلاء وأمثالهم حقيقة؟.

نعم، الوطن هو الانتماء – الهوية – الروابط المتعددة – الشعور بالكيانية والأصول، والكثير الكثير من المفردات والوقائع التي لا يمكن لأي غربة أن توفرها، حتى لو كانت الحقوق الفردية متحققة بالكامل، شأن بعض الدول الأجنبية التي تُساوي بين المُقيم والمواطن فيها، وهناك مشاعر كثيرة، وبيئة وعلاقات، يحملها الوطن لأبنائه، بينما الغربة اقتلاع وبُعد، و”الغربة كربة”، خاصة لمن لم تهتزّ جذورهم، أو تُنتزع، فيظل الوطن بين الأعين.

لكن ما هو الوطن؟ وأي وطن سوري حقيقي الآن، والمواطن مُهان، مذلّ، بلا حقوق، وأبسط حرياته مُغتالة من قبل نظام مجرم بكل المقاييس؟ أي وطن والنظام المُسيطر عليه يبيد البشر والشجر والحجر، ويُدمّر البنى التحتية، ويستقدم الأجانب والميليشيات الطائفية، ويفعل كل شيء كي يبقى حاكمًا أوحدًا؟

أي كرامة للمواطن السوري في وطن يقوم فيه عنصر صغير في أجهزة الأمن بكل الموبقات، والمواطن ذليل مرعوب، لا يملك غير طأطأة الرأس، والنفاق لأصغر مسؤول كي يبقى حيًّا، أو ليتدبر أبسط شؤونه؟!

لقد قزّم نظام الطاغية ووريثه الوطنَ وحوّله إلى ملكية خاصة، وأصبح شائعًا لديه، ولدى السائد أنه هو الوطن، وأن النظام هو الوطن، وأن القائد الأبدي هو الوطن، والبقية رعاع عليهم الامتثال لمزاجه وطبيعته وأجهزته ونظمه، وقد رفض على مدار العقود أي نوع من التشاركية معه، حتى “الجبهة الوطنية التقدمية” التي أقامها لم تكن سوى جهة مُلحقة به، مهمتها البصم والتصفيق، لذلك عرفت انشقاقات، وتحولت معظم أحزابها إلى “حزيبات” عائلية.

الحزب “العرمرمي” الذي فتح الطاغية الأكبر أبوابه للجميع، تحوّل إلى جهاز مُفرَّغ، يختصّ بالتجسس على المواطن وكتابة التقارير، وخدمة الحاكم، وتأمين المصالح الخاصة بكل الطرق اللاشرعية، والمخالفة للأخلاق وأبسط القيم، لذلك لم يستطع القيام بأي دور حين قيام الثورة السورية، ولذلك كانت الأجهزة الأمنية والجيش ذراعي النظام في قمع التظاهرات، ثم في حرب الإبادة والتدمير.

في بدايات الثورة السورية، حين كانت مطالب الشعب المتظاهر تتلخص ببعض الإصلاحات ضمن شعار الحرية والكرامة، حاول بعض الوطنيين السوريين التقدّم بمقترحات لرأس النظام تجنبًا لمصير مُدمِّر؛ فكان الإهمال طريقها، والتأكيد على الحل الأمني – الإبادي طريقًا وحيدًا، مؤكدًا بذلك، وعلى مدار سنوات الثورة وأحداثها الجسام أنه لا يقبل شريكًا، ولو بنسبة صغيرة، بل يريد أُجراء ومُهللين وخاضعين.

مواقف النظام الرافضة لأي حل سياسي، والمدعومة من الإيرانيين والروس، عبّرت عن طبيعته التي لا تقبل الشكّ، بأنه ضد أي خطوة سياسية يتنازل فيها عن بعض صلاحياته، أو “ممتلكاته” التي هي الوطن، وما زال هذا النظام مُتشبثًا بمواقفه، رافضًا تطبيق القرارات الدولية الخاصة بالحل السياسي.

الوطن -بمنظور النظام- هو النظام، وحضن الوطن هو حضن النظام، ولا شيء آخر، وأي دور يجب أن يكون عبره، ومن خلال ما يحدد، وما يخطط.

نعم نحن أمام تحولات كبيرة تراكبت فيها العوامل الذاتية والخارجية الساحقة لإنتاج وقائع جديدة تُكرّس بقاء النظام ورأسه، وتشيع أجواء الهزيمة للمعارضة، وانسداد أفق الحل السياسي الحقيقي الذي يقود إلى مرحلة انتقالية جدّية تنقل بلادنا من واقع الاستبداد والفئوية إلى نظام تعددي يؤسس للدولة المدنية الديمقراطية. بما ينشر اليأس والإحباط، فترتفع أصوات البعض بنغمة “العودة لحضن الوطن”، وهي مجرد أكذوبة لا تحتاج إلى أي توضيح، لأنها عودة إلى النظام وأحضانه.

وأمام الضغوط التي تمارسها جهات متعددة على المعارضة، لتقديم تنازلات في مواقفها، خاصة ما يتعلق بثوابتها من رأس النظام وكبار رموزه، ستهتزّ مواقف الكثيرين ممن حُسبوا على الثورة، أو التحقوا بها لأسباب متداخلة، ليس الإيمان بها وبجوهر التغيير أساسها.

دون الدخول في حقل الاختراقات، وهو حقل كبير، وحقيقي، ودون الدخول في محاولة كشف ما زرع النظام من عناصره في هيئات المعارضة المدنية منها والمسلحة، وبعيدًا عن لغة التخوين والتوصيف.. هناك العديد ممن التحق بالثورة في فترة صعودها، اعتقد أن النصر حتمي وقريب، فراح يبحث عن موقع هنا وهناك، وحين بدأت الآفاق تتعقّد، والحل السياسي يصطدم بباب خارجي مسدود، كان سهلًا على العديد من هؤلاء توظيف أخطاء الثورة والمحسوبين عليها، وهي كثيرة ومتنوعة، أن يتخذوها ذريعة لتبديل مواقفهم.

بعضهم آثر الانسحاب وانزوى، والبعض راح يعزف على شعار العودة لحضن الوطن، ويُعطي نفسه دورًا خارقًا سيقوم به حينما يعود، وتحت راية الدفاع عن الوطن، بينما الوقائع العنيدة تفضح المستور، وتؤكد أن “وطن النظام” لا مكان فيه إلا للخاضعين لإرادته وتعليماته.

ستحدث خلخلات كثيرة هذه الفترة، وفرز شديد، وسيأخذ الموج معه العديد ممن كان يملأ الدنيا صخبًا عن النظام وجرائمه، ويتحدث عن الحرية كبديل عن الاستبداد والفئوية ونظام الجريمة، وكما يقول الجزائريون، توصيفًا لما عرفته الثورة الجزائرية من امتحانات: “لا يبقى في الوادي غير حجارته”.

مقالات ذات صلة

إغلاق