تحقيقات وتقارير سياسية

ذكرى المجزرة بالأخلاق المثلمة

تحتل ذكرى المجازر، في حاضر الفلسطينيين وماضيهم، مكانًا خاصًا ومتميزًا، إن لم يكن مكانًا رائدًا، تتجلى ريادته في استحضار الذكرى وشكل الجريمة وحجمها الذي أنتج فجائع متتالية، من تل الزعتر إلى برج البراجنة، ومن البداوي إلى اليرموك فحندرات ودرعا. تقف حدود الذكرى اليوم عند الذاكرة البعيدة والسحيقة لمجازر العدو في فلسطين، لنذكر قبية ودير ياسين وكفر قاسم، وسنذكر شاتيلا وصبرا، وسنقف على ضفاف المجازر في سورية، دون أن نخوض فيها، وسنتحاشى ذكر الجزار والفاشي، ليكون لساننا الرسمي ناطقًا باسم الضحايا.

كانت مجزرة تل الزعتر تختزل بمصطلح “أحداث”، وكان الجناة يُشار إليهم بأنهم الرجعية والفاشية وميليشياتها، كان اسم الأسد يسقط، ليس سهوًا بل تخففًا وتواطؤًا، لم تُشر المنظومة الأخلاقية والسياسية بصراحة إلى دور الأسد في مجزرة تل الزعتر، واكتفت الدلالة على الأسد في بعض الكتابات والمراجع القليلة وجرأة البعض الفلسطيني الذي وقف في وجه المجرم آنذاك. بقي السؤال كيف تعايَشنا مع السفاح ثلاثة عقود نثني على “بطولاته” التي مثلت -وما تزال- فعل المجزرة المستمرة حتى يومنا.

نستعيد اليوم ذكرى تل الزعتر، بعالم مختلف، وبصوت له عالمه وزمانه، صداه الموت المستمر، وقوامه الإنسان في هشاشته وضعفه في دفاعه عن الحياة بثمن متعدد المجازر. أهم ما في الذكرى اليوم، ومنذ ستة أعوام، أنها تُطلق اسم “حافظ الأسد” بوصفه مجرمًا مسؤولًا عن المذبحة، وتتابع مسؤوليته عن مذبحة حماة بعد تل الزعتر، أمّا أن تستحضر ذكرى تل الزعتر، دون ذكر المجرم ومسؤوليته واسمه، والقفز عن مجازر اليوم التي تُماثل تل الزعتر أو تفوقها؛ فهذا لا يقل فظاعة عن استمرار الجريمة.

إحياءُ المجازر التي اقترفتها عصابات “الأرغون” و”البلماخ”، والهروب المستمر نحو التاريخ، والطبطبة على مجازر مستمرة إلى اليوم، والضحايا متناثرون من حولك دون أدنى حس أخلاقي يرشح في الكل والتفاصيل، وبقاء مجازر الأسدَين بحق السوريين والفلسطينيين.. يشي بنزعة عار وانحطاط ساقط في التاريخ، تطغى على كل تعاطف إنساني وأخلاقي يُراد استحضاره في إحياء ذكرى المذابح. العبرة في الذكرى ألا تستمر المذبحة وأن تحمي أبناء الضحايا ونسلهم، لا أن تورثهم قاتلًا يكمل المهمة في اليرموك وحماة وحمص وحلب ودرعا ودير الزور والرقة، حتى غدا الوطن كله تلالًا لمجازر تطفو على ذاكرتنا بالمحتل، من كفر قاسم إلى صبرا.

إذا عدنا إلى المجزرة الأولى في تل الزعتر؛ فسنجد البرهان على سقوط الضحايا في الوطن كله، حيث أسست عقلية السفاح تباشير جرائمها المتعددة، من تل الزعتر إلى دوما واللطامنة وداريا وخان شيخون، إلى تلك التي تفكر بها عقليته المحكومة، بأقانيم الهوس الإجرامي التي تشير إلى ذاته المتقنة نثر الموت. الذكرى هي مسار حياة الطاغية والسفاح التي تستمر دون النظر إلى الضحايا، وهي مسار بعض من يذكرون مذابح هناك ويدوسون على جثث هنا ويقفزون عنها، مع أن المجرم واحد حتى لو اختلف موقعه بين مدينتين أو أكثر، يثلم المدار الأخلاقي العام من المجزرة، ومن مرتكبها ليبقى الموقف الأخلاقي منهما لصيقًا ومعيارًا، يوضح سمات الموقف، ليس في الذكرى بل في المذبحة الواقعة تحت شرفات عقلنا.

إذا لم تُعلَن، في إحياء المجزرة الفلسطينية، الثقة بالإنسان سوريًا وفلسطينيًا وعربيًا، وبنزوعه الأكيد نحو الحرية، ذلك النزوع الذي ينتصر على الجلاد والفاشي والمحتل؛ فستبقى الأثلام عميقة دون مواعظ تُبعد مجزرة قادمة.

إن استيقاظ بصيرتنا على مجازر كثيرة، وامتلاء رزنامة التاريخ بضحايانا، لن يوفر لنا حماية من تناسل المذابح؛ لأن الأخلاق لا تستوي هناك في إحياء ذكرى المذبحة ولا في نصرة ضحاياها اليوم، خصوصًا عندما تفصح عن روادع ترسم صورة الضحية والقاتل.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق