سورية الآن

عودة لبنانية إلى “حضن الوطن” السوري

بغض النظر عن النوايا والعواطف، لا مفر من الاقرار بأن العنوان السياسي الجدي الوحيد الذي يشغل لبنان واللبنانيين هذه الايام، والذي يحتل موقع الصدارة في حلقات الذكر السياسي، هو العلاقة مع سوريا، وما إذا كانت المقاربات اللبنانية الاخيرة، السياسية والعسكرية، لتلك العلاقة توحي بقرب دخول البلدين في حقبة جديدة من التفاعل المثير للجدل والخلاف، كما هي العادة، وتطوي صفحات من التاريخ لا يبدو أن الحرب السورية قد محتها.

العنوان لم يُفرض على جدول الاعمال اللبناني، بل إستدعته وقائع الميدان السوري نفسه، ورفعت مرتبته المواقف العربية والدولية الاخيرة من الازمة السورية، التي أفسحت المجال لحلفاء نظام الرئيس بشار الاسد كي يستعيدوا مفردات “التاريخ والجغرافيا”، و”العداء المستحيل” بين البلدين، و”القطيعة المحرمة” بين الشعبين، والمصالح المشتركة التي تسمو على كل إعتبار، وتحرم خصوم ذلك النظام من الاعتراض والاكتفاء بالصمت او التسليم بالامر الواقع.

الدولة اللبنانية التي ترسل وزراءها الى دمشق، وتبعث جيشها الى أقرب نقطة من الاراضي السورية، في سابقة إستثنائية ليس لها مثيل، تعلن بما لا يدع مجالا للشك أنها توصلت الى خلاصة نهائية للحرب السورية، وهوية المنتصر فيها ، بما لا تتيح التردد في إستئناف التواصل والتفاهم والتعاون مع نظام الرئيس بشار الاسد الذي صار بقاؤه في السلطة، حتى نهاية ولايته الحالية في العام 2021، أحد مسلمات السياسة الدولية.

النقاش ما زال يدور همساً في غرف مغلقة، حول الاحتمالات والفرص، المتبادلة بين البلدين والنظامين، وهو يركز على قراءة طبيعة العلاقة المقبلة مع دمشق، ومحطتها الجديدة، وما اذا كان يجوز مقارنتها بأي من محطات الماضي، الحافل بالدروس والعبر، والزاخر بتقلب التحالفات والخصومات..والشاهد أيضاً على ثوابت لم تتغير أبداً، لا مع النظام السوري الحالي ولا مع أي من الانظمة التي سبقته، وأهمها ما تحفظه الذاكرة المشتركة عن العملية المشبوهة التي نفذها المستعمر الفرنسي عندما رسم الحدود بين البلدين.

والغريب ان هذا النقاش ليس له أي صدى حتى الآن خلف الحدود اللبنانية السورية، ولم يلق أي تجاوب أو تفاعل لا من النظام، ولا من المعارضة طبعا، ولم يحفز على حوار ثنائي، رسمي او سياسي..ما يفسح المجال للتقدير بان النظام السوري الذي يشعر بالنصر، يفترض ان اللبنانيين عائدون الى “حضن الوطن” السوري الكبير، الذي يتسع للجميع، بعد فراق عابر أملته المخاوف الأمنية، ليس إلا..وما يفسح المجال للتثبت من أن المعارضة السورية، التي لم تسلك يوماً طريق بيروت دمشق، هي خارج مثل هذا النقاش، كانت وستبقى.

البحث في طبيعة العلاقة بين البلدين وسبل تنظيمها، يضغط الان أكثر من أي وقت مضى، على لبنان، الذي يبدو وكأنه مطالب بالرد على سلسلة من الاسئلة الصعبة: هل آن الآوان فعلا لإنهاء القطيعة الرسمية بين الدولتين؟ وما هي النصائح والاشارات الخارجية التي يتلقاها لبنان بشأن التوجه نحو دمشق؟ وما هي نقاط الالتقاء والافتراق بين الدولة اللبنانية وبين حزب الله في تنظيم هذه العلاقة؟ وما هو الأثر الذي يمكن أن يتركه هذا التوجه على الداخل اللبناني؟

ولعل السؤال الاهم الذي لم يطرح حتى الآن هو حول تفاعل النظام السوري مع هذه العلاقة، التي لا شك أنها توسع قاعدته وتعزز شرعيته، وتمنحه بالتالي فرصة الثأر من خصوم الامس اللبنانيين، الذين يشعرون بالفعل ان الاسد، إذا ما أحسن اليهم، فإنه سيعاملهم معاملة السوريين الموقعين على إتفاقات الهدن ومناطق خفض التصعيد في سوريا، أما إذا قرر الاساءة فانه لن يتردد في محاسبتهم على إتهامه بالاغتيالات، ومطالبتهم بتسليم شهود الزور.. قبل دعوتهم الى الانخراط في سرايا المقاومة، تمهيداً لإعلان لبنان دولة مقاتلة للاستكبار العالمي وعملائه العرب.

النقاش فُتح، لكنه ما زال ضيق الافق، محدود الأثر. فالموجة عاتية. والسباق الى دمشق بدأ للتو.

(*) كاتب لبناني

Author

مقالات ذات صلة

إغلاق