قضايا المجتمع

نازحون وغرباء.. هكذا يعيش “مشرقيو” حلب في شطرها الغربي

عندما سيطر النظام على القسم الشرقي من مدينة حلب، أواخر العام الماضي، وبسط نفوذه على شطري المدينة الشرقي والغربي؛ ساد شعورٌ بالارتياح بين موالي النظام، معتقدين أن الحياة الطبيعية ستعود إلى المدينة من جديد.

لكن الواقع يشي بعكس ذلك تمامًا؛ فبنظرة سريعة على الصفحات الموالية للنظام، في مواقع التواصل الاجتماعي، ندرك حجم الفوضى وبؤس المعيشة التي يعاني منها المواطنون، والتي تبدأ بارتفاع أسعار المواد الغذائية والخضار بشكل كارثي مرورًا بتذبذب أسعار المحروقات وعدم استقرارها وغياب الكهرباء والماء، وصولًا إلى أزمة الخبز مؤخرًا، ولم يقتصر الأمر عند ذلك الحد، فعلى الرغم من إدعاء النظام أن حلب أصبحت آمنة، إلا أن الفترة الماضية سجلت ارتفاعًا ملحوظًا بنسبة الجرائم، فلا يكاد يمر أسبوع دون أن تمتلئ الصفحات الإخبارية الموالية بقصص لحوادث تحرش وسرقة، ليتطور الأمر إلى جرائم قتل، كحادثة مقتل الطفل بائع “العلكة” في حي الموكامبو على يد شخص يرتدي زيًا عسكريًا، بحسب ما ذكرت وسائل إعلام النظام، إضافة إلى حادثة دهس طبيبة الأسنان “تالار فوسكيان”، بسيارة عنصر في ميليشيا “الدفاع الوطني” في حي السليمانية.

ربما الحديث عن كارثية الظروف المعيشية في حلب لم يعد جديدًا، فبإمكان أي شخص لديه أقارب أو أصدقاء في حلب أن يسرد عشرات القصص عن معاناة الناس. لكن في الوقت الذي توجد فيه فئة تنحصر معاناتها بلقمة العيش والماء والكهرباء، هناك من يدفع ثمنًا آخر لأنه “نازح”.

قد يبدو من الغريب أن يحمل الشخص صفة نازح، وهو يعيش في مدينته، ولكن هذا هو واقع الحال الذي يعيشه البعض من سكان حلب الشرقية، ممن فقدوا مساكنهم أو أُخرِجوا منها عنوةً. عمل النظام خلال الفترة الماضية على تكريس حالة الانقسام بين أهالي طرفي المدينة، وللعلم فإن هذه التفرقة والتمييز ليست وليدة الظروف الراهنة، فمن يعرف حلب جيدًا يُدرك أن قسمها الشرقي كان أشبه بعشوائيات تحولت مع الزمن إلى جدار يفصل بين شرق المدينة وغربها. لم تعاني هذه المناطق من سوء التخطيط والبناء وغياب المساحات العامة والخضراء فحسب، بل من ضعف الخدمات المقدمة لها كالأرصفة وتعبيد الطرقات، ولم يقتصر ضعف الخدمات على العشوائيات بل شمل أجزاء كبيرة من المدينة القديمة أيضًا. كل ما سبق ساهم في تزايد حجم الشرخ بين سكان طرفي المدينة.

اليوم يعمل النظام على تعميق هذا الشرخ أكثر؛ إذ ليس عبثًا أن يستمر بتسمية سكان حلب الشرقية الذين انتقلوا إلى قسمها الغربي بالـ “نازحين”.

سميّة الخانجي سيدة من سكان حي الفردوس انتقلت للسكن في القسم الغربي من حلب، بعد سيطرة النظام على الأحياء الواقعة تحت سيطرة المعارضة، تحدثت عن حالة الاغتراب التي لازمتها منذ أن غادرت حيّها الذي ولدت وتزوجت وأنجبت أطفالها فيه، تقول إنها تعيش حالة من الاغتراب وكأنها خارج أسوار مدينتها، وتعلّق باللهجة الحلبية المحكيّة: “بس يعرفوا إني جاية من الفردوس؛ بتتغير ملامحهن وكأني مجرمة!”.

سمية تشعر بالأسف، لأنها اختارت الذهاب إلى القسم الغربي، وتضيف: “الغربة ليست غربة المكان فقط، بل الأصعب أن تكون غريبًا في وطنك ومدينتك التي عشت وكبرت فيها”. ترى سمية أن وضع الشباب أسوء، فمعظمهم لا يستطيع إيجاد عمل، فقط لأنهم من الأحياء الشرقية. ولا تعتبر أن كلامها فيه مبالغة داعمة وجهة نظرها بالقول: “قام النظام، بعد تزايد حالات السرقة والتحرش، بلصق منشورات على الجدران تحذر من عدم التعامل مع أي شخص غريب عن المكان أو (نازح) حفاظًا على سلامتهم”!

وتابعت: “لقد كانت كلمة (نازح) مكتوبة بشكل صريح على الملصقات، في إشارة واضحة إلى أننا لسنا فقط نازحين ولكن مجرمين أيضًا. وبدلًا من أن يعالج الفساد الحاصل من قبل الأمن والشبيحة، يتهم من سمّاهم نازحين بإحداث فوضى في المدينة”.

سلّة النازح الغذائية أقل دسمًا:

في إطار تكريس حالة التمييز بين شرق وغرب حلب، تقوم بعض الجمعيات الأهلية التابعة للهلال الأحمر بتوزيع سلل غذائية متواضعة على بعض النازحين، مختلفة بشكل كلي عما يتم توزيعه على عائلات الأحياء الغربية. تقول روعة الوليد: إن الطبقية والتمييز وصلت إلى السلل الغذائية أيضًا، “فإذا كنت من أبناء الجانب الغربي خصوصًا بمناطق الأكثرية المسيحية كالسليمانية والعزيزية؛ فسيكون نصيبك من الدعم والمعونات أكبر بكثير من النازح”.

وتصف روعة ما يحصل عليه النازح بأنه “متواضع جدًا”، وقالت: “في إحدى المرات أعطوني كيسًا من الأرز المليء بالحشرات/ الدود. ولم يكن الكيس مختومًا أو معروف المصدر؛ بينما نرى كيف أن الآخرين يحصلون على منتجات غذائية جيدة وبكمية أكبر، بل حتى إنهم يحصلون على سكاكر وشوكولا لأطفالهم”.

حلب قبل الثورة:

محمد دواليبي أستاذ لغة عربية يتحدث عن عمق الهوّة الموجودة بين الحلبيين منذ سنوات طويلة: “عندما يتم تداول أي صورة لمدينة حلب، قبل الحرب؛ سيلاحظ أي شخص أنها في الغالب تكون لمناطق في القسم الغربي للمدينة، وهذا له مدلولات كبيرة على عمق التباين والاختلاف بين بيئة شطري المدينة، حتى على مستوى الشكل العمراني”.

وبحسب دراسات مشتركة، بين بلدية حلب ووكالة التعاون التقني الألمانية GTZ؛ قبل عام 2011 كان 45 بالمئة من سكان حلب يعيشون في أنواع مختلفة من العشوائيات، غالبيتها في نصف المدينة الشرقي، وتشكل هذه المناطق 35 بالمئة من مساحة المدينة.

لن تنتهي هذه الحالة من الانقسام والتمييز التي كرسها النظام، منذ سنوات وحتى الآن؛ ما لم تشهد مدينة حلب علاقة صحية بين شطريها، تكون المساواة في الفرص والخدمات أساسها. وإلى أن يتحقق ذلك سيبقى سكان حلب الشرقية غرباء في مدينتهم، ينأى عنهم شركاءُ لهم في الوطن.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق