هموم ثقافية

بين مراوغة المثقف ومكر التاريخ

بعد نيّف وثلاثين عامًا، التقيت صديقتي اللاجئة سياسيًا في بلدان شمال أوروبا، وقد عادت إلى مسقط رأسها في إجازة. في البداية، لا بد لي أن أعترف بأن صديقتي لم تتغير كشخصية، وما زالت كما كانت، برقتها وطيبتها ومرحها وحبها لأصدقائها، وقد كانت صاحبة فضل وصلة وصل بين كثيرين منّا. صديقتي هذه، مثل كثيرات ممّن اهتممن بالشأن العام، تعرضت للاعتقال التعسفي في الثمانينيات، وما يرافق ذلك عادة من امتهان للكرامة، فضلًا عما يلحق بامرأة تتجرأ على تجاوز أُطر الممنوعات التي يفرضها المجتمع الذكوري برمته؛ فكل الوسائل مباحة في تقليم أظافر النساء، حيث السلطة والمجتمع والقوانين والأعراف حاضرة، وعلى سلطة الظلّ الأمنية التنفيذ، وهي الجاهزة دومًا للإطباق على الأفراد والجماعات، فلا يتنفس أحد إلا من خلال رئتها.

انتمت صديقتي إلى صفوف اليسار السوري، والعربي على وجه العموم، الذي صدمنا بمواقف أعضائه وتشتت رؤاهم، قبل وبعد عام 2011، فقد كانت معظم تلك المواقف انعكاسًا لـ “ضياعه التاريخي”، بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وقد وصل الأمر بالنسبة ليساريين حدّ الاصطفاف مع الأنظمة الاستبدادية وسياساتها.

بعد اتضاح الصيغة الإقليمية للصراع في سورية، توافرت المبررات لمن يريد النظر إلى الأمور بصورة مبتسرة وبعين واحدة، مع أن ذلك لا يليق بمثقفين لديهم تجربة سياسية مثل صديقتي. كما أنّ الفعل الشعبي الشجاع الذي صنع الحدث في سورية، كان تتويجًا واستمرارًا نوعيين لنضالات تراكمية سابقة، ساهمت فيها الصديقة وأمثالها. إن انكفاء البعض عن صراع عدمي كهذا، وقد أضحى إقليميًا ودوليًا، يعدّ أمرًا مفهومًا، لكن الانحياز التام لأحد طرفي هذه الحرب يُلغي دور المثقف في رسم آفاق الحلول ما بعد السياسية.

في التحولات التاريخية العميقة؛ كما في انفجارات “الربيع العربي”، تحضر الكثير من الظواهر الخادعة ويمكر التاريخ، من دون أن يؤثر ذلك، بصورة جوهرية، على المسار الرئيس؛ ألا وهو حتمية التغيير الذي يشمل كافة المجالات، بما فيها آليات التفكير، ولو أن هذه الأخيرة تتم ببطء، ولا تلاحظ إلا من خلال المقارنة بين فترة زمنية وأخرى. وهكذا يمكن للناظر -بصورة مقصودة أو غير مقصودة- أخذ بعض المظاهر وسحبها على كامل المشهد، من أجل شيطنة الطرف الآخر وتنميطه؛ ما يفقد المثقف المفترض القدرة على التمييز والمحافظة على الحيادية المطلوبة في القراءة.

لقد أفضت التحولات التي حصلت في سورية، بعد عام 2012، إلى حالة اختلطت فيها الأهداف والمصالح، وتشابكت فيها التدخلات الخارجية؛ ما أشكل على المثقف الثوري، ودفعه أحيانًا إلى التخلي عن بعض انتماءاته، ما فوق الوطنية والإنسانية غير المكتملة، والعودة إلى انتماءات سابقة كان قد خلعها على عجل، وارتدى قشور النظريات والأفكار، بما يشبه الاستهلاك السريع لسلع الآخرين التي لم نساهم في إنتاجها. تسمح هذه الحالة الزئبقية للمثقف أو السياسي بالتنصل من استحقاقات تاريخية والقفز من موقع إلى آخر كالبهلوان.

وفي اغتراب هؤلاء المثقفين أو أولئك، ممن انحازوا للمستبدين، وحتى للإرهابيين في بعض الأحيان؛ نشهد احتضار أيديولوجيات اليسار لصالح انتماءات إنسانية وليبرالية الطابع على وجه الخصوص، ولن يطول الأمر حتى تضمحل كل أيديولوجيا أو تندرج في إطار منظومة مؤسسات الدول، وهو الشرط اللازم، وغير الكافي، لقيام دول المواطنة والقانون المتماهية مع العالم الحديث المفتوح على المصالح، وتحقُّق الذوات الفردية والجماعية. لا يعني ذلك أنه سيكون لليمين المتمثل بالإسلام السياسي الدور الأكبر في التحولات القادمة في منطقتنا، فقد كانت هذه السنوات الست كفيلةً بحرق أوراقه ومشاريعه، وما تبقى منه، سيعمل فقط عبر أطر ديمقراطية محددة دستوريًا بغية تحجيم طموحاته وأوهامه.

من جهة ثانية، تكشّفت -أيضًا- الأوهام التي كنا نعيشها على كافة الصُعد، ومنها العلاقات الشخصية، فحتى أصدق العلاقات التي عشناها لم تعد كذلك من منظار اليوم، لا لعلة في ذاتها، بل لأنه قد تم تجاوزها عبر انكشاف مواقفنا الحقيقية، توافقها أو افتراقها، وكيف كنا نتقاسم حصص الخوف اليومية والحد الأدنى من النفاق اللازم لاستمرار الحياة المتجاوزة للغرائز. لقد تجاوز واقعنا الحالي الماضي نوعيًا، بحيث لم يعد هذا الأخير سوى صدى لرغباتنا المستحيلة بالعودة إلى “الزمن الجميل”، وبات الخوض في بناء علاقات وصداقات جديدة أفضل من اجترار الذكريات وتلميعها.

وعلى الرغم من كل التحولات والمؤثرات والتدخلات التي حدثت، بعد اندلاع الاحتجاجات في سورية، فهي لا يمكن أن تلغي استحقاق الانتقال إلى حالة أخرى، أكثر ديمقراطية، وتجاوز حالة الاستبداد السابقة، وهذا ما لا يفهمه المستبدون الذين يحاولون الضحك على التاريخ، فتكون أقسى الدروس بانتظارهم، لكن بعد أن يحل الخراب والموت في البلاد. نشير هنا إلى أن كل مشاريع الحلول الحالية كان يمكن تطبيقها بسلاسة، منذ الأشهر الأولى للثورة، ومن دون كل هذه التكاليف الباهظة، فقط لو استمع النظام إلى النصائح، واقتنع بحتمية التغيير التاريخية، وشارك في إدارتها بصورة مضبوطة، لكنه الاستبداد، مرة أخرى!

في هذه الأثناء، يبدو أننا على أعتاب مرحلة سياسية جديدة تلوح في الأفق، وها هي دائرة الصراع العدمي تنغلق على نفسها، حيث إنّ المقاتلين-الضحايا يطلق عليهم “مجاهدون” من قبل الطرفين المستبدين؛ ما قد يحمل في طياته خطر تلاقي مصالحهما ضد حرية الشعب وكرامته، لكن بصيغة محدَّثة، وهذا ما يجب أخذه بالحسبان منذ الآن. لقد شارفت اللعبة على النهاية، وعلينا جميعًا إجراء المراجعات المؤلمة، حتى لا تحتوينا زوايا التاريخ المظلمة.

مقالات ذات صلة

إغلاق