مقالات الرأي

من المجالس المحلية إلى استعادة دور الشعب

الثورة، في جانب أساسي منها، كانت من أجل استعادة الشعب دوره في تقرير شؤونه ومستقبله. الثورة تتضمن ذلك، وإن لم تُعلن عن ذلك كأفكارٍ وكبرنامج على نحو واضح ومحدّدٍ بدقة، وبسبب عدم تبلور ذلك، كان سهلًا استعادة السيطرة على الشعب تحت مُسمياتٍ تَدّعي التعبير عنه وتمثيله؛ وبذلك وقع الشعب بين نارين: نار الاستبداد المستمر ونار المعارضة الطامحة للسلطة بدورها. بين هاتين النارين تمّت استباحة الشعب بكليته، المواليين والمعارضين معًا. وإذا لم يكن لدى الموالين أيّ مبادرة منذ 2011، فإن الحاضنة الشعبية والثوار لم يتوقفوا عن محاولة التعبير عن أنفسهم واستعادة دورهم؛ فكانت الأشكال الجديدة للمنظمات الثورية ومحاولات تشكيل المجالس المحلية، وهناك التظاهرات التي بدأت ضد النظام، وتجدّدت ضد الجهاديات والسلفية. ولأن الشعب حاول استعادة هذا الدور مرارًا، فقد حاولوا التضييق عليه بشكل مستمر. المشكلة أن المعارضة لم تُعبر عنها واستمر النظام بقتله وتدمير بلداته ومدنه، وقتل الجهاديون منه الآلاف، كما فعل (داعش)، وحاصره البقية باسم تطبيق الشرع والنطق باسمه. كان الهدف من كل ذلك سحق ثورة الشعب وتهجيره وقتله وإلغاء دوره وإعادته إلى حظيرة الطاعة.

كانت التنسيقات الشكل الأبرز للتعبير، وهي أولى التعبيرات عن الثورة، وهي أقرب للتجمعات السياسية منها للشعبية، إضافة إلى فصائل الجيش الحر. هذان الشكلان كانا تعبيرًا عن الضرورة الواقعية، ولم يكونا شكلين منتخبين شعبيًّا. فقط المجالس المحلية كانت تستهدف استجلاء خيارات الشعب، وسقطت لاحقًا المجالس التي شكلتها الأحزاب السياسية أو المجتمع المدني؛ إذًا الشكل الأفضل للتعبير عن دور الشعب هو هذه المجالس.

لن نتابع الأمر بتطوراته عبر السنوات السبع الماضية، وسندقّق في النقاش الأخير الذي يؤكد ضرورة تلك المجالس، حالما طُبقت الاتفاقات الدولية، بخصوص خفض التوتر وعبر مسارات آستانا وعمان والقاهرة، وكذلك في المناطق التي يُسيطر عليها (ب ي د)، وأيضًا المناطق الواقعة تحت سلطة الأتراك أو في إدلب. التطورات الأخيرة ستؤدي إلى فراغٍ في السلطة في المناطق التي ستُطبق فيها نتائج المسارات وسواها؛ وبالتالي من سيتولى السلطة هناك؟ هذا هو السؤال الجوهري في هذه الآونة؛ فاستمرار سيطرة قوى الأمر الواقع تعني إنشاء سلطات قمعية وغير ديمقراطية، كما تفعل (جبهة فتح الشام) في إدلب، وكما فعل حلفاء الأتراك في جرابلس، وحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي في المناطق التي يسيطر عليها. بقية تجارب المجالس السابقة فاشلة أو مُعطلة عن الفاعلية، ومنها ما هو محكوم لصالح الميليشيات الإسلامية الحاكمة لمناطق بعينها، كما حال الغوطة مثالًا.

سيملأ الفراغ المجالس المحلية المنتخبة كما يُشاع، وربما هو الطريق لاستعادة دور الشعب؛ طبعًا لن تتخلى الفصائل المسلحة عن دورها في السيطرة، كما الحال مع انتخابات سقبا وسراقب، وكذلك بقية الجهات الإقليمية والمحلية. هذه الفكرة الأساسية، فكيف سيستعيد الشعب دوره، وما الأشكال المقترحة الأخرى غير المجالس المحلية؟ أهمية الأخيرة تكمن في أنّها ستكون منتخبة، فكيف يمكن أن تكون ممثلة فعلًا للشعب، وتلعب دورًا سياسيًا وعلى مستوى سورية وترفض الخيارات المقترحة إقليميًّا ودوليًّا، وكيف ستتعاون مع بقية المناطق التي يسيطر عليها النظام، وما زالت تخضع لشموليته؟

طرح المجالس المحلية يتضمن بالضرورة إسقاطًا للمعارضة، باعتبارها غير منتخبة، وكونها مُشكّلة وفق أجندات حزبية أو إقليمية؛ لأن هناك من يربط هذه المجالس بتشكيلات المعارضة هذه، ولا سيما الائتلاف الوطني مثلًا؟

من الخطأ، الاتكاء على تمثيل المجالس عبر الائتلاف الوطني، فهو وبقية التشكيلات، كمجالس الوطني وهيئة التنسيق وهيئة التفاوض، لم تثبت جدارتها، وسعت لمصالح أفرادها. إن تجربة سبع سنوات تقول بخطأ ذلك؛ وبالتالي يعود السؤال ويتركز: ألا يمكن للمجالس ذاتها -باعتبارها ممثلة للمجتمع المحلي- أن تمتلك برنامجًا وطنيًّا يغطي كافة قضايا المجتمع، ومنها كيفية إدارة شؤون الدولة لاحقًا؟

أغلب الظن لن تكون مؤسسات المعارضة مُمثلِة للمجالس؛ وبذلك يقع على الأخيرة دور سياسي يتعلق بصياغةِ رؤيةٍ لنظام الحكم وقضايا كثيرة، فهل يمكن لها أن تقوم بذلك، ولا سيّما أن هناك من سيحدّد وظيفة المجالس بالحاجات اليومية للمواطنين، وليست منشغلة بالقضايا على مستوى الدولة كالاقتصاد والسياسة والتعليم والثقافة وكيفية التفاوض مع النظام وهكذا.

أريد القول لقد فشل النظام باستمرار سيطرته على الشعب، وكانت الثورة لأسباب متعدّدة، تبدأ بالاقتصادي وهناك الأمني والسياسي، وفشلت المعارضة بتمثيل مطالب الشعب في حياة أفضل وقيادته نحو الانتصار على النظام، وتقدمت السلفية والجهادية بمشروعهما الأصولي وفشلت بدورها، وأتت -بسببه وبسبب رفض النظام لأي حل سياسي- الدولُ العظمى والإقليمية لتقود الصراع السوري، وهو يتحرك الآن وفق مصالحها. وربما غابت المصلحة باستمرار الصراع، ولا سيما أن الهدف من استمراره قد تحقق، وهو دمار سورية وتهجير شعبها وقتل قرابة مليون من مواطنيها؛ وبالتالي هناك مؤشرات إلى مرحلة جديدة، ولكن الدور السوري أصبح غائبًا، وهناك تقاسم دولي وإقليمي يظهر، من خلال عدم هامشية دور المعارضة والنظام في مسارات آستانا والقاهرة وعمان.

إذًا هناك واقع جديد، يتشكل بعد حسم الحرب في دير الزور وإدلب، وفيه احتلالات متعدّدة، وهناك مجالس محلية ستنبثق، وستكثر المحاولات لمصادرها كما تم من قبل. إن تأسيس مشروع وطني لكل سورية يتطلب -بالضرورة- ألّا يظل دور المجالس محليًا وخدميًا، بل أن يكون لها دورٌ وطني، وأن تشكل قيادة على مستوى سورية وتمثل مصالح كافة السوريين من أهل الثورة وأهل النظام؛ قوة هذه المجالس هنا بالتحديد، فهل ستتشكل مجالس محلية عابرة للمدن وللتقسيمات التي يُراد أن تكون مناطقَ نفوذٍ للدول وللفصائل ولأمراء الحرب.

الرهانُ اليومَ على الشعب؛ فهو من سيستعيد دوره كما قام بثورته، وأضيف أن مصلحته الكاملة تكمن في انتخاب مجالسه المحلية، وأن تتشكل منها قيادات سياسيّة جديدة، ترفض كل مصادرة جديدة لدور الشعب في تقرير مستقبل سورية.

مقالات ذات صلة

إغلاق