مقالات الرأي

الخطاب العنصري والعنف

يوم السبت الماضي، ودون سابق إنذار، انفجر الموقف في مدينة شارلوتسفيل، بين تحالف اليمين المتطرف، والقوى المناوئة له؛ لقد أدى الخطاب العنصري للمرشح دولاند ترامب، والذي استمر حتى بعد أن أصبح ترامب رئيسًا، إلى انتشاء اليمين المتطرف للعودة إلى الساحة السياسية، وقد اتخذوا من قرار إزالة تمثال رئيس كونفدرالية الجنوب، روبرت إدوارد لي، ذريعةً للتظاهر على نحو استفزازي، فبدلًا من أن يحملوا العلم الفدرالي ذا النجوم الخمسين، حملوا أعلام الكونفدرالية، وأعلام “النيونازية”، وأعلام الـ “كو كلوكس كلان” الذين تظاهروا بثوبهم المعروف وبلا أقنعة، وهو الثوب الذي كان يخيف السود على نحو خاص، حيث كان حاملو الصليب المحروق، وهو شعارهم، يحرقون بيوت السود، وكنائسهم، وأماكن عملهم، ليتصيدوا من يقع تحت أيديهم، ويشنقوا البعض الآخر بطريقة غير إنسانية.

تصاعد العنف بطريقة دموية، عندما اقتحم الشاب جيمس فيلد البالغ من العمر عشرين عامًا، بسيارته، جمهور المتظاهرين؛ فقتل سيدة وجرح أكثر من 19 شخصًا، وهو يخضع الآن للتحقيق بتهمة الإرهاب الداخلي، ومن سخريات القدر أن مكتب التحقيقات الفدرالي، أثناء تفتيش بيت جيمس فيلد، وجد صورةً للطاغية بشار الأسد معلقة إلى جانب رموز التطرف اليميني، والنازية، والفاشية، عبر التاريخ العالمي.

الرئيس ترامب الذي يمكن أن يُطلق عليه اسم “الرئيس الدائم الترشح”، بقي على الخطاب العنصري التصاعدي ذاته، حيث كان دائم الهجوم والعدائية للإعلام، وليس هذا فحسب، فقد أدخل في البيت الأبيض مساعدين له -وهم مع الأسف في مركز القرار- من اليمين المتطرف من أمثال ستيفن بانون، وستيفن ميرل، وسيباستيان غوركا، وغيرهم الكثيرين من أنصار الخطاب الترامبي المتطرف.

في تصريحه أمام الصحافة، كان القائد السابق لـ “كو كلوكس كلان” مايكل ديوك صريحًا جدًا؛ حيث صرح بأنهم يُطبّقون سياسة الرئيس ترامب الذي انتخبوه، لكي يُعيد الروح إلى العنصرية، وتصريح كهذا كافٍ لإدانة الرئيس ترامب.

يوم السبت 12 آب/ أغسطس، أدان الرئيس ترامب الأحداث، ولكن بشكل خجول وتعميميي، ليشمل الجميع، هذا الموقف أدى إلى تصاعد الانتقادات ضده من قبل القيادات المعتدلة في الحزب الجمهوري الذين طالبوه بذكر الشيطان باسمه. هذه الضغوطات أدت إلى أن يضطر الرئيس ترامب إلى تسمية الفوقيين البيض، والـ “كو كلوكس كلان”، و”النيونازي”.. إلخ، من اليمين المتطرف، ولكن هذا لم يكفِ نُقّاده، فكل القوى تتجه إلى إجبار الرئيس على التخلي عن مستشاريه العنصريين المتحلقين حول ستيفن بانون.

هذه الحوادث الدموية التي أجبرت حاكم ولاية فرجينيا على إعلان حالة الطوارئ، وهو إجراء قلّما يلجأ إليه قادة الولايات، تذكر الناس بالحوادث العنصرية التي شهدتها الولايات المتحدة الأميركية في ستينات القرن العشرين، وأدت إلى أحداث دموية مثل اغتيال الرئيس جون كنيدي، والقس مارثن لوثر كينغ، وغيرهم الكثيرين من جماعات حقوق الإنسان. وقد شهدت الساحة السياسية الأميركية، في ستينيات القرن الماضي، تصاعد الخطاب العنصري من قبل المرشح الجمهوري السيناتور باري غولد والتر، ولكن الشعب الأميركي خذل هذا الخطاب، ليجدد للرئيس الديمقراطي ليندون جونسون. شهدت الولايات المتحدة عدة محاولات لعودة اليمين المتطرف إلى الحكم، وقد كانت “الفترة الغينغريتشية”، نسبة إلى نيوت غينغريتش الذي تعهد بتغيير الولايات المتحدة الأميركية بمئة يوم، ولكنه فشل فشلًا ذريعًا هو والصقور في الحزب الجمهوري في تنفيذ هذا التعهد.

قد تتغير الأكثرية الجمهورية في الكونغرس، لصالح الحزب الديمقراطي، إذا استمر هذا الرئيس بهذه الطريقة الغوغائية والصبيانية في الحكم. أول ما يجب أن يعملوه هو “تكنيس” اليمين المتطرف من البيت الأبيض. ثانيًا إيقاف الرئيس من استخدام (تويتر)، حتى لا يسيء إلى الولايات المتحدة الأميركية، إذ إنه -بتغريداته غير المتزنة- يُحرج أعضاء حكومته ولا سيّما الوزراء الرئيسيين منهم.

ما حدث في فيرجينيا، واليوم في نورث كارولينا، والتصريحات الـ “نيونازية”، بأن هذه الحوادث هي بداية، قد تشتعل أكثر وأكثر، إن لم تتخذ الإدارة الأميركية الإجراءات الكفيلة بلجم القوى اليمنية المتطرفة.

قد يتجه البعض إلى اتهام الشعب الأميركي بالعنصرية، وهذا ليس بالصحيح؛ ذلك أنّ هذا التطرف لا يُشكّل إلا 5 بالمئة من الجمهور الأميركي. هذه الأقلية المتطرفة لا يمكن وصفها إلا بالقوى الإرهابية التي تمارس العنصرية على المجتمع الأميركي نفسه.

مقالات ذات صلة

إغلاق