أدب وفنون

وثيقة بصرية ترصد مشاهد الجمهرة في سورية

يعمل الفنان محمد عمران -وهو أحد مستفيدي الدورة الثالثة من برنامج مختبر الفنون- على مشروع (جمهرة)، وهو عبارة عن كتيب فني يعيد إنتاج صورة الحشد في سورية، منذ ثمانينيات القرن الماضي حتى وقتنا الحاضر، بطريقة فنية مرتكزًا على الرسم، كتقنية للتنفيذ، وعلى النص المكتوب الذي يقدم للرسم ويعرف بالحدث.

عن الفكرة والأسلوب الفني ومشاهد الجمهرة المختارة والمرحلة التي وصل إليها تنفيذ المشروع، يتشارك معنا محمد عمران السطور التالية.

يشكل مفهوم الحشد أو الجمهرة، بالنسبة إلي، موضوعًا مغريًا ومادة ملهمة على مستوى التشكيل؛ فمنذ بداية اشتغالي على العنصر الإنساني، سواء في النحت أو في الرسم، ومفهوم الجماعة حاضر في أعمالي، كما في مجموعة جمهور 2005/ 2006 ولاحقًا مجموعة انتظار 2015/ 2016. من هنا أتت الرغبة في إنتاج مشروع الكتيّب الفني جمهرة ليشكل -بشكل أو آخر- استمرارًا لمشروعي الفني الشخصي.

قمت باختيار مجموعة مشاهد لهذا الكتيب تجسد فكرة الحشد، تتيح للمتلقي التعرف على تاريخ سورية المعاصر من خلال حامل الجمهرة بوصفها التعبير الأكثر اقترابًا لمفهوم الجماعة.

ارتبطت صورة الجمهرة، في أذهاننا مؤخرًا بفكرة الاحتجاج وخاصةً بعد الانتفاضات العربية. هناك سحر في حالة التظاهرة؛ فهي تمنح الفرد شعورًا بالقوة والانتماء المتين للجماعة والمكان؛ لذلك فإن حالات مثل التظاهرة والتشييع، خلال الفترة السلمية بداية الانتفاضة في سورية عام 2011، هي من المشاهد الحاضرة في مشروعي.

في سورية ما قبل الثورة، مثلًا، كانت الجماهير تحتشد مكرهةً، أغلب الأحيان، كما في مشاهد تجديد البيعة والاحتفال بالأعياد الوطنية أو لاستقبال رئيس دولة ما، كزيارة الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك إلى سورية، نهاية الألفية الثانية؛ لذلك قمت باختيار بعض من تلك المشاهد للكتاب كحالة الجمهرة، أثناء جنازة الرئيس السابق.

من فترة الثمانينات، قمت باختيار مشاهد كالمؤتمرات الحزبية والطلابية وأيضًا التجمعات على أبواب المؤسسات الاستهلاكية ومراكز توزيع المواد الأولية والغاز فترة الحصار. المشهد الذي يتكرر، خلال فترة الحرب الحالية. كما يتضمن الكتيّب -أيضًا- مشاهد أكثر عنفًا وتراجيدية كالنزوح أو مشاهد الإعدامات في الساحات العامة في المدن التي تحتلها الجماعات الدينية الراديكالية كـ (جبهة النصرة) و(داعش). من جانب آخر، قمت باختيار مشاهد مرحة وذات صلة -بشكل أو بآخر- بمفهوم الجمهرة في المجتمع السوري المعاصر كالتجمعات أثناء الصيف في منطقة الجندي المجهول أو ما يعرف بـ “السيران”. بالإضافة إلى التجمعات فترة الأعياد.

اعتمدت على المبالغة التعبيرية، كأسلوب فني، من دون أن أتطرف باتجاه الكاريكاتير أو الرسوم التوضيحية؛ إذ إن الغاية من المشروع هي إنتاج أعمال فنية ذات قيمة تشكيلية في المقام الأول، فالرسوم الموضوعة في المغلف تعبّر عن رؤية متخيلة موازية للواقع، تستند، في الوقت ذاته، إلى مرجعيات بصرية (صور/ فيديو) وليس تعليقًا مباشرًا على الأحداث.

سيتضمن مشروع (جمهرة)، بالإضافة إلى الرسوم، نصوصًا قصيرة مهمتها التعريف والتقديم للحدث. النصوص عبارة عن شهادات خاصة، قمت بجمعها أثناء التحضير لبناء المشاهد. الآن أنا في طور صياغتها لتتماشى مع روح الرسم، وترجمتها أيضًا إلى اللغتين الفرنسية والإنكليزية، لتكون متاحة أيضًا للجمهور غير الناطق بالعربية.

أتطلع من خلال مشروع (جمهرة) إلى إنتاج وثيقة بصرية تشكيلية مختلفة، توثق مشاهد التجمعات في سورية المعاصرة. تعرّف هذه الوثيقة الفنية بالمجتمع السوري المعاصر من خلال حالة الجمهرة وتسلط الضوء على مفهوم الجماعة، دلالاته وتبدلاته، منذ ثمانينيات القرن الماضي حتى وقتنا الحاضر. هي محاولة في البحث عن تلك المساحة بين الواقعي والمتخيل وطريقة لسرد أحداث تاريخية، ورصد حالات اجتماعية محلية.

قمت بإنجاز خمسة أعمال (نصف المجموعة) بقياس 65-50 سم، معتمدًا، كما ذكرت سابقًا، على الرسم على الورق كنوع فني، وعلى أقلام التحبير لرسم الأشكال والأحبار الصينية والمائية (أكواريل)، بالإضافة إلى الصباغات البلاستيكية (أكريليك) للتلوين.

 

أستعد في هذه المرحلة لإنهاء القسم الأول من المشروع، وهو إنجاز الرسوم المتبقية، وعددها خمسة، بالإضافة إلى تحضير النصوص المرافقة لها؛ ليكون بمقدوري البدء في الطور الثاني من (جمهرة) وهو اعتماد الهوية البصرية للمغلف/ العلبة والبدء بعمليات الطباعة (سأستعين في هذه المرحلة بمصمم غرافيك).

 

محمد عمران

مواليد دمشق عام 1979. خريج قسم النحت في كلية الفنون الجميلة – جامعة دمشق عام 2000. خريج دراسات عليا من القسم ذاته عام 2002. حاصل على شهادة ماستر2 في تاريخ الفن المعاصر، من كلية ليون الثانية في فرنسا عام 2009. مشارك في العديد من المعارض الفردية والجماعية في العالم العربي وأوروبا. أعماله مقتناة من قبل جهات عديدة خاصة وعامة منها: وزارة الثقافة في سورية، المتحف الملكي في الأردن، مؤسسة أتاسي في دبي والمتحف البريطاني في لندن. دراستان في الفن التشكيلي. الأولى بعنوان (ماهر البارودي، فنان بين ثقافتين)، والثانية (صورة الجسد المعذب في الفن التشكيلي السوري المعاصر) وقد أنتجت بدعم من اتجاهات- ثقافة مستقلة.

Author

مقالات ذات صلة

إغلاق