مقالات الرأي

من “الشرعية الثورية” إلى الشرعية الدستورية

لئن تمكن نظام “حزب البعث” من تأسيس جزء من شرعيته، على عوامل فوق وطنية؛ فقد تمكن من تفتيت آليات وبنى الولاء الوطني، بشكل يولِّد -حاليًا- حالةً من الفراغ وافتقاد الزعامة على نحو خطير. ومع دخول الصراع مرحلة الاستعصاء الراهنة، ووصولنا إلى مرحلة “توزان الضعف”، بين المعارضة وسلطة آل الأسد؛ يستمر المجتمع السوري في تقديم التضحيات الجسيمة، ليصبح التحدّي الأكبر الذي سيواجه الجمهورية الثالثة القادمة هو كيفية نقل السلطة ومفاتيحها إلى شرعية دستورية ديمقراطية.

لقد عبّرت الثورة عن رغبة أصيلة لدى أوسع قوى الشعب في إقامة جمهورية سورية ثالثة، والانتقال بالبلاد من عهد “الشرعية الثورية” إلى الشرعية الدستورية القائمة على الحكم المدني الديمقراطي. لكنّ الإشكال أنه في غياب أي مستوى مقبول من القيادة السياسية واللوجستية، بل وغياب الحد الأدنى المقبول للقيادة العسكرية، يصبح السؤال الأساسي: كيف يمكن إعادة توليد عقد اجتماعي سياسي جديد يكفل تحويل حالة الفوضى الراهنة إلى عملية بناء لشرعية، لا تقوم على تعسف منطق الصراع بل على توافقات منطق العقد الوطني.

فما هي مآلات الجمهورية السورية، على صعيد الدولة والمجتمع، وعلى صعيد الجغرافيا والديموغرافيا؟ وهل ما زال ثمة أمل يرجى من استمرار هذه الجمهورية؟ وما هي الإجماعات الجديدة التي ستتشكل عند السوريين الجدد؟

بعد أن عقد الشعب السوري العزمَ على أن يخرج من حياة العبودية‏‏ التي تخبّط في أوحالها وظلماتها، أكثر من 40 سنة‏،‏ ويعودَ حرًا كما وُلد؛‏ علينا أن نسأل: ما الذي ينبغي تغييره؟ وما الذي ينبغي الإبقاء عليه؟ وكيف نضمن التطورات المستقبلية؟ وماذا نفعل بالثقافة السلطوية القديمة؟ وهل التغيير يحدث من تلقاء نفسه أم لا بدَّ من إدارته؟ وما هي الفترة التي ستستغرقها عملية التحوّل؟ وهل يمكن لثقافة سياسية بكاملها أن تتغير لتحلَّ محلها ثقافة أخرى؟

والسؤال الرئيسي هو: كيف يمكن أن يتحقق الانتقال من الاستبداد إلى الديمقراطية في سورية؟ أي كيف يتم تفكيك النظام الشمولي والدولة الأمنية؟ وكيف يُعاد إنتاج النظام السياسي على نحو يؤسس لديمقراطية، تشكل أساسًا للتغيير بكل مستوياته الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية، بما يفرضه ذلك من إعادة بناء الدولة السورية الحديثة؟

إنّ خيار الوطنية الجامعة يمكن أن يضع السوريين في وضع أفضل لمواجهة تحديات المستقبل، إذ إنّ التفكير في المعطيات الراهنة يقتضي التأسيس لتصوّر جديد لهذه الوطنية، يقوم على النظر إلى المكوّنات السورية المختلفة كمكوّنات تأسيسية متساوية الحقوق والواجبات، ويؤسس لامتلاك السوريين دولتهم، ويسهم في تكوّنهم كمواطنين أحرار متساوين. ومن غير الممكن تصوّر سورية لكل مواطنيها، بمعزل عن عودة الروح إلى المجتمع المدني، وضمان مؤسساته المستقلة عن سلطة الدولة، كي يسترد المجتمع حراكه السياسي والثقافي، بما يخدم إعادة بناء الدولة السورية الحديثة.

في كل الأحوال، طالما أنّ كرامة وحرية الإنسان هي التي تشكل أساس تطور أي مجتمع، فإنّ الرقابة المُمَأسسة، التي تمكّن من وضع الإنسان السوري المناسب في المكان المناسب، تشكل أحد أهم الشروط لتحقيق الانتقال من الاستبداد إلى الدولة الديمقراطية التعددية، بأقل الخسائر، واستئصال شأفة العنف من العلاقات الاجتماعية والسياسية.

إنّ أهم ما يواجه عملية التحوّل الديمقراطي في سورية هو ضرورة إجراء حوار وطني شامل حول كيفية التعامل مع الماضي في إطار العدالة الانتقالية؛ بما يؤدي إلى رفع الوعي القانوني وتعزيز الثقافة الحقوقية بأهمية التعامل -إنسانيًا وقانونيًا- مع الماضي بطريقة تجنّب المجتمع السوري ردات الفعل بالانتقام أو الثأر أو الكيدية، أو تغذّي عوامل الكراهية والحقد والضغينة.

ولكي يتم تسهيل مهمات المحاسبة، يمكن تشكيل هيئة عليا مستقلة للحقيقة لكشف الانتهاكات في الماضي وخلال الثورة، بحيث تضم ممثلين عن جميع القطاعات والحقول القضائية والقانونية والإعلامية والأكاديمية والأمنية والعسكرية والصحية والنفسية، إضافة إلى ممثلين عن منظمات المجتمع المدني، ويكون لهذه الهيئة شخصية اعتبارية ومعنوية وضمان استقلالها المالي والإداري، ويتم ذلك قانونًا بحيث تحال إليها جميع الملفات ذات العلاقة بالمجازر واجتياح المدن وقصفها بالصواريخ والبراميل المتفجرة والاغتيالات أو التعذيب أو السجن أو جرائم الفساد أو غيرها.

إنّ المصالحة الوطنية لا تعني النسيان، وإنما إلغاء الثأر والانتقام، عبر اللجوء إلى القضاء، وذلك يعني أنه لا بدَّ من أن يقبل كل السوريين، من يشعر أنه كان ضحية للنظام ومن يخاف أن يكون أحد ضحايا التغيير، بأنّ سورية المستقبل قادرة على حمايتهم جميعًا، وعلى أن تؤمّن لهم مستقبلًا أفضل. وهنا لا بدَّ من التشديد على مبدأ ربح الجميع، بمعنى أنّ المسؤولين الحاليين الذين سيصبحون سابقين، ممن لم تتلطخ أياديهم بدماء الشعب السوري وبالفساد العام، يتوجب عليهم إدراك أنّ تفاوضهم، بشأن التحوّل الديمقراطي، هو ضمانة لعدم تعرّضهم للمساءلة في المستقبل. كما أنّ على الضحايا السوريين أن يدركوا أنّ مستقبل سورية يتعلق بمدى قدرتهم على تجاوز الماضي من أجل الشراكة في سورية المستقبل، وهذا لن يتم بالطبع إلا عبر المفاوضات المشتركة من أجل وضع خريطة طريق للانتقال الديمقراطي.

مقالات ذات صلة

إغلاق